تفجيرات «البيجر»: هل خَدَعَت إسرائيل حزبَ الله عبر شبكات التوريد؟
04-10-2025 09:24 AM GMT+03:00
هل بالغ أمين عام “حزب الله” حسن نصرالله في تضخيم مخاطر اختراق الهواتف الخليوية من قبل إسرائيل؟ وهل أدى هذا التضخيم إلى قرار “الحزب” بالتحوّل إلى أجهزة “البيجر”؟ وهل وجّه نصرالله بلغة تحذيرية في 13 شباط 2024 داعياً إلى التخلص من الهواتف الخلوية، فحمّل نفسه بالمسؤولية لاحقًا بعدما باءت محاولات الاستبدال بالفشل أو جرت على عجل؟ وهل استغلت إسرائيل هذا الموقف لخداع “الحزب” ودفعه إلى استيراد أجهزة كانت مفخخة أصلاً، أم أن الأمر أعمق ويكشف سلسلة اختراقات طويلة الأمد شملت غير صفقة “البيجر”؟
تطرح تفجيرات أجهزة “البيجر” التي اعتبرها نصرالله ضربة قاسية، أكثر من سؤال بخصوص توقيت وسبل إدخال هذه التجهيزات إلى لبنان. هل استورد “الحزب” تلك الأجهزة بعد شباط 2024؟ أم أنّ أجهزة مفخخة مماثلة سُلِّمت له قبل ذلك بسنوات — مثلاً منذ 2015 أو 2017 — عبر شبكات وإمدادات مموهة؟ وهل شملت عمليات التوريد أيضاً تجهيزات مكتبية وتقنية أخرى؟ تسارع التطورات وتكتم التحقيقات الداخلية يثيران احتمال أن تكون إسرائيل قد نجحت في اختراق منظومة الإمداد لدى “الحزب” قبل وبعد صفقة “البيجر”.
صفقة إسطنبول — التايوان — بيروت
في هذا الإطار، أثارت وسائل إعلام تركية في 6 أيار 2025 ملفَّ شحنة ضبطتها الاستخبارات التركية، قيل إنّها صادرة في 20 أيلول 2024 ومكوّنة من 1,300 جهاز “بيجر” من نوع مشابه للأجهزة المنفجرة في لبنان. بحسب التفاصيل، جاءت الشحنة من هونغ كونغ عبر شركة تايوانية تُدعى SMT Global Logistics Limited، وأُرِيد نقلها إلى بيروت مرورًا بمطار إسطنبول في 27 أيلول. عند تفتيش 61 صندوقًا بوزن نحو 850 كلغ عُثر على 1,300 جهاز نداء من طراز “Gold Apollo 924 R3 GP” مع 710 شواحن مكتبية ومعدات إلكترونية إضافية — وما تبين لاحقًا أن البطاريات فيها محقونة بمتفجرات قابلة للتفجير عن بعد عبر إشارات عالية الكثافة أو بفعل قصر كهربائي. ربطت التقارير هذه الشحنة بشركة “Gold Apollo” التايوانية وواجهة مجرية اسمها “Bac Consulting KFT” التي يُشتبه في استخدامها لأغراض استخباراتية.
دور تركيا وميقاتي وأردوغان
كشفت الحادثة أيضاً أن “الحزب” اعتمد تركيا كطريق رئيس لمدّه بمستلزماته، وأن عبور الشحنات عبر مطارات مثل إسطنبول وبيروت كان ممكنًا من دون كشفها. وبعد اكتشاف الشحنة، نقلت تقارير أنّ نصرالله أبلغ رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بالمعلومات وطلب إبلاغ السلطات التركية؛ فتدخّل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فأعطى تعليماته لأجهزته التي ضبطت الشحنة وتحقق من أنها مفخخة فتم تفكيكها لاحقًا.
لماذا التأخير في الكشف؟
يثير تأخر تركيا في الإعلان ثمانية أشهر، والتعتيم من قِبَل “الحزب” والسلطة اللبنانية، تساؤلات حول سلَف المعلومات وأسباب الكتمان. تسريبات سابقة في أيلول 2024 نسبت إلى مصادر أمنية لبنانية أن “الحزب” طلب 5,000 جهاز من شركة “غولد أبولو” وصلت ربيع 2024. بالمقابل، تقول تقارير إسرائيلية إنّ أجهزة الأمن الإسرائيلية عملت لسنوات على تتبّع سلاسل التوريد وتفخيخ الأجهزة بهدف شلّ قدرات “الحزب” وربما للتجسس على اتصالاته قبل تفجير الأجهزة، وقد أعلنت إسرائيل في 1 أيار 2025 تكريم عملاء من الموساد المشاركين في العملية.
سلاسل توريد مفترضة وطرُق التهريب
تَظهر الفرضية أن عقوبات دولية أجبرت “الحزب” على الاعتماد على طرق غير شرعية ومزوّدين وسيطين، مما سهّل على جهات استخباراتية زرع واجهات تجارية وأشخاصًا يعملون كقنوات لإدخال معدات مُلوّثة أو محفوفة بالمخاطر. إذا كان الأمر كذلك، فقد تكون إسرائيل قد مهدّت لاختراق داخلي طويل المدى عبر من يقوم بإمداد “الحزب” بهذه المستلزمات.
التحقيق الداخلي وتبعاته السياسية والأمنية
رغم مرور أكثر من عام على الحادثة، لم يصدر “الحزب” نتائج تحقيقه الداخلي بالكامل، مما يثير احتمال استمرار اكتشاف خبايا جديدة أو رغبة في إبقاء جوانب من الملف سرية. غياب الشفافية والتباطؤ في الكشف عن نتائج التحقيق ترك بصماته على الهيكل الداخلي لـ“الحزب” فيما يتعلق بتحديد المسؤوليات، كما ظهر في مواقف بعض القيادات التي انتقدت التقصير الأمني وربطته بسلسلة إخفاقات أمنية أكبر، من بينها اغتيالات قيادات بارزة.
مواقف داخلية: اعترافات وشبهات
في 19 أيلول 2024 اعتبر نصرالله أنّ التحقيقات جارية لمعرفة مصدر الأجهزة وكيفية وصولها. بعد ذلك، وبحسب النصّ، اغتالته إسرائيل في 27 أيلول — وُرد هذا الحدث في النص كوقائع يُعاد تناولها ضمن السرد. وبعد أشهر، وفي 8 تموز 2025، تحدّث الشيخ نعيم قاسم عن استمرار لجان التحقيق المركزية والفرعية، وذكر قواعد عامة خلُصت إليها التحقيقات مبينًا وجود ثغرة كبيرة في عملية الشراء، وأن مَن أوكلت إليهم مهمة الشراء اعتقدوا أنها مموّهة وغير معروفة، فيما اكتُشف أنّ سلسلة الشراء كانت مكشوفة إلى الشركة الأم أو إلى جهات راقبتها أو أوصلت إليها معلومات.
خلاصة تقريبيّة
يبقى السؤال المركزي: هل كان تضخيم نصرالله لمسألة اختراق الهواتف الخليوية مدخلاً دفع “الحزب” لاستيراد “البيجر” بسرعة وبدون تدقيق كافٍ، أم أن مساحات أوسع من اختراقات سلاسل التوريد والواجهات التجارية هي المسؤولة؟ وما إذا كانت إسرائيل قد نجحت في خداع “الحزب” عبر تقديم أجهزة مُلوّثة منذ زمن بعيد أم أنه استُهدف بعد أن قرر التحوّل إلى بيئة اتصالات مختلفة؟ تثير التطورات وتسريبات الصفقة بين تايوان وإسطنبول وبيروت، وغياب الشفافية في التحقيقات، مخاوف حقيقية حول مدى ثغرات الاستيراد والتمويل والرقابة، وإمكانية استمرار إسرائيل في تطبيق استراتيجيات استخباراتية موازية لشلّ بنية “الحزب” الأمنية.
المصدر : نجم الهاشم - نداء الوطن








