حاقل الجبيلية.. نموذج يضيء عتمة الكارتيلات ويكسر هيمنتها
07-10-2025 02:23 PM GMT+03:00
الوعود الرسمية المتكررة لم تُترجم حلولًا، بل كانت ستاراً لاستمرار الابتزاز. لكن بلدة صغيرة في جبيل قررت أن تكسر هذه الحلقة: حاقل، التي دشّنت مشروعاً للطاقة الشمسية يشكّل نموذجاً عملياً قابلاً للتعميم على مختلف البلدات. مشروع يقدّم حلًّا مستدامًا لأزمة الكهرباء، ويعيد تعريف الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بعيداً عن الاستغلال السياسي، وبكلفة أقل وشفافية أكبر.
ولادة الفكرة واختيار الموقع
في حديث خاص لموقع "Transparency News"، قال الدكتور بشير الياس، نائب رئيس اتحاد بلديات قضاء جبيل ورئيس بلدية ميفوق–القطارة، "قبل عام، وبعد التواصل مع شركة SolidGroup التي تنفذ أنظمة للطاقة الشمسية ومع جمعية CDDG المتخصصة في الحوكمة، أجرينا مسحًا للقرى بحثًا عن بلدة نموذجية للبدء بمشاريع طاقة شمسية مركزية للتخفيف من أزمة الكهرباء. بحثنا عن بلدة تتساوى فيها أعداد السكان صيفًا وشتاءً، ولديها مولّد كهربائي يغذي البلدة كاملة لتسهيل ربط النظام. كانت حاقل الأنسب، إذ تتولى جمعيتها الخيرية تشغيل المولّد خدمةً للأهالي لا كاستثمار خاص، فوقع الخيار عليها".
دراسات وشراكات قانونية وتقنية
تابع الياس: “أنجزنا دراسة تقنية لاستهلاك البلدة خلال شهرين، ثم أعددنا دراسة قانونية، وشكّلنا لجنة مشتركة مع الأهالي والجمعية والشركة المشغلة. وقد ساهمت CDDG بتمويل وتنفيذ المشروع. واجهتنا مشكلة في وزارة الطاقة السابقة التي جمّدت تراخيص المشاريع، لكن وزارة الطاقة الجديدة رحبت بالمشاريع المماثلة التي تخفف الأعباء على الدولة. بدأنا التنفيذ في أيار 2025، وكان الافتتاح في 27 أيلول. تأخر المشروع قليلاً بسبب الحرب ثم الانتخابات البلدية حرصًا على عدم استغلاله انتخابيًا".
وأردف الياس قائلًا: “قبل المشروع، كان الأهالي يدفعون 0.43 سنت / ك.و. للموتور، فيما تسعيرة الدولة 0.27. مع الطاقة الشمسية أصبحوا يدفعون 0.19، ومع الحاجة أحيانًا لتشغيل الموتور ساعتين أو ثلاثًا ترتفع الكلفة إلى 0.27 كحد أقصى. أي أنّ السعر بات أدنى بنسبة 15–25% من كلفة الدولة والموتور معًا".
وأوضح: “كلفة المشروع تُسترد خلال أربع سنوات وخمسة أشهر، وبعدها يحصل الأهالي عمليًا على كهرباء مجانية، باستثناء مساهمة رمزية إذا أرادوا، تُخصّص لصيانة المنظومة لا تتجاوز 0.06 إلى 0.07 سنت، وهكذا يصبح المواطن شريكًا في استدامة الخدمة".
الأهمية البيئية والاقتصادية
قال: “هذا المشروع ليس فقط حلاً كهربائيًا يوفر طاقة 24/24 للبلدة بكلفة أدنى، ويحمي المؤسسات والأعمال من الانقطاع، ما يرفع الإنتاجية ويعزز بقاء الناس في قراهم، بل يوفر أيضًا طاقة نظيفة تقلص الانبعاثات وتخفّض فاتورة المازوت على الدولة".
كما أشار إلى أنه “نظريًا، يمكن تطبيق النموذج في كل لبنان، لكن عمليًا، العوائق تظهر في القرى المهجورة شتاءً، أو التي ركّبت أنظمة فردية، أو في المدن التي ترزح تحت احتكار المولدات والتدخلات السياسية. رغم ذلك، بدأنا المشروع مع أكثر من ست بلدات بينها ميفوق، وكلها أبدت استعدادًا جديًا".
وكشف الياس أنه “بعد نجاح حاقل، أكثر من مئة بلدة تقدمت بطلبات للانضمام إلى برنامج "نور". كما أبدت منظمات دولية ومموّلون اهتمامًا بدعم المبادرة. الهدف أن يصبح المشروع مبادرة وطنية تُعمم على مختلف القرى، مع توفير المستثمرين الجديين الذين يريدون إنجاح التجربة لا استغلالها. ولو بدأ هذا البرنامج عام 2010، لكانت معظم بلدات لبنان مكتفية ذاتيًا بالكهرباء".
من الكهرباء إلى النفايات
على صعيد آخر، قال الياس: “لم يقتصر العمل على الكهرباء، بل أُعدت دراسات لفرز النفايات بالتعاون مع جمعية Liban Consult، وسيُرفع التقرير إلى الوزارة خلال شهر. كما أطلق اتحاد بلديات جبيل استبيانًا لإعداد خطة شاملة خلال سنة تشمل البلديات والأهالي، لخلق وعي بيئي واستفادة مادية من بيع المواد القابلة للتدوير".
وأضاف: “كما قُدمت طلبات لإنارة الطرق العامة عبر الطاقة الشمسية، حتى في القرى التي لا مجالس بلدية فيها، وتعززت هذه المشاريع مع إشراك الشباب في العمل البلدي".
إصلاح العمل البلدي وإشراك الناس
قال الياس: “في قضاء جبيل هناك 87 بلدة، 41 منها فقط تملك بلديات، و13 فقط ضمن الاتحاد. بالتعاون مع UN-Habitat نُفذَت برامج لتأهيل العمل البلدي، ونسق العمل مع المخاتير والقائمقام لتغطية القرى غير البلدية. الهدف أن تكون البلدية في إطار شراكة بين المجلس والأهالي والاتحاد، لا مجرد أشخاص، مع التخطيط المسبق لكل خطوة لضمان الاستدامة".
وختم: “من حاقل تبدأ التجربة، ومنها يمكن أن تنطلق العدوى الإيجابية إلى سائر لبنان. لا تُقدّم الكهرباء فقط، بل تُبنى الثقة بين المواطن والدولة، ويُكسر احتكار الكارتيلات التي عاشت على حساب الناس. هذا هو النموذج الذي يجب تعميمه".
ما حققته حاقل ليس مجرد محطة للطاقة الشمسية، بل تجردٌ كامل من منطق العتمة والابتزاز الذي كبّل اللبنانيين لعقود. لقد جسّدت تجربةً متكاملة جمعت بين الشفافية في الإدارة، والشراكة بين القطاعين العام والخاص، والجدوى الاقتصادية والبيئية في آن واحد. فأهالي البلدة حصلوا على كهرباء أرخص، أنظف، وأكثر استقراراً، فيما قدّمت حاقل نموذجاً حيّاً على أنّ الإرادة المحلية قادرة على مواجهة احتكارات المازوت والمولدات، التي ما زالت تحكم قبضتها على البلاد.
هذا النموذج لا يقف عند حدود بلدة واحدة في جبيل، بل يفتح أفقًا وطنياً واسعاً: إذا عُمِّم يمكن أن يستعيد لبنان استقلاله الطاقوي، ويحرّر اقتصاده ومجتمعه من أسر الكارتيلات. إنّ نجاح حاقل يثبت أن البدائل موجودة، وأن الناس قادرة على فرض مسار مختلف متى توافرت الإرادة والرؤية.
إنها ليست محطة تقنية فحسب، بل محطة مفصلية في الوعي الجماعي، تؤكد أن التنمية تبدأ من القرى والبلدات، وأن السياسات الاحتكارية ليست قدراً محتوماً. ومن هنا، يمكن أن تنطلق شرارة التغيير الحقيقي في ملف الكهرباء، ليُكتب فصل جديد يضع حدّاً لعقود من التهميش، ويعيد للبنان مكانته كبلد قادر على الاعتماد على نفسه وعلى طاقات أبنائه.
المصدر : Transparency News








