محمد فحيلي - باحث مقيم لدى كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال (OSB) في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB)


لم يعد ما نعيشه في لبنان مجرّد أزمة مالية أو مصرفية، بل انهيار شامل في الثقة بين المواطن ودولته، بين المودع ومصرفه، وبين الحقيقة والرواية الرسمية. بعد خمس سنوات من الانهيار، ما زالت السلطة تبحث عن قانونٍ يُنقذها من تبعات الفشل بدل أن تُنقذ البلد من نتائجه. آخر هذه المحاولات هو ما يُعرف بـ قانون الفجوة المالية، الذي يُسوَّق على أنه خطوة لاسترداد الودائع، لكنه في الحقيقة يُشرعن الخسائر ويحوّل المودع من ضحية إلى مموّل قسري للمنظومة.

الفجوة ليست رقماً بل شهادة على الفشل
الفجوة المالية، التي تُقدّر اليوم بأكثر من 70 مليار دولار، ليست لغزاً محاسبياً معقّداً. إنها ببساطة الفرق بين ما تدين به المصارف للمودعين وبين ما تملكه فعلاً من أصول. لكن الأخطر من حجم الفجوة هو من يتحملها: فالقانون المسرب يقترح أن يدفع المودعون الحصة الأكبر عبر شطب وتحويل الودائع، فيما الدولة، وهي المدين الأكبر، تُعفى من مسؤوليتها، والمصارف تكتفي بحصة رمزية من الكلفة. هكذا تتحول "خطة الإنقاذ" إلى عملية تصفية مقنّعة، هدفها الأساسي حماية المنظومة السياسية والمالية من المساءلة.

من التمويل إلى التواطؤ
حين كان يُقال إن لبنان لم يتأثر بالأزمة العالمية عام 2008، كان الواقع أن المصارف اللبنانية كانت توظف أموال الناس في سندات الخزينة وشهادات الإيداع لدى مصرف لبنان، أي في تمويل الدولة نفسها. ومع الزمن، ذابت مدخرات الناس في الإنفاق العشوائي والهندسات المالية والدعم الزائف، حتى أصبح مصرف لبنان الخزينة غير المعلَنة للسلطة. ثم جاءت لحظة الحقيقة في 2019، حين أغلقت المصارف أبوابها أمام المودعين، وبدأ مسلسل التقنين والكابيتال كونترول غير القانوني. عندها سقط القناع: ما كان يُسمّى القطاع المصرفي لم يكن سوى واجهة لسلطة تموّل فسادها من جيوب الناس.

إصلاحات من ورق
حتى القوانين التي صدرت مثل قانون إعادة تنظيم المصارف، الذي أبطله المجلس الدستوري جزئياً، بدت وكأنها إصلاحات بوقف التنفيذ. فهي تربط نفسها بقوانين أخرى لم تصدر بعد، كقانون الفجوة المالية، وكأن السلطة تُراهن على الوقت لتعويم الواقع بدلاً من تغييره. في المقابل، لم تُقدِم الدولة بعد على أي خطوة جدية لإعادة هيكلة الدين العام، أو لمحاسبة المسؤولين عن الانهيار، أو حتى لاستكمال التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان. النتيجة: أزمة معلّقة فوق فراغ سياسي ومؤسساتي، يدفع المواطن ثمنها يومياً من قوته ومعاشه ومدخراته.

أزمة الثقة لا تُحل بالقوانين
المشكلة في لبنان ليست غياب القوانين، بل غياب النيّة لتطبيقها بعدل. فالقانون مهما كان محكماً، لا يبني الثقة إذا كُتب بعقلية الهروب من المحاسبة. الثقة لا تُستعاد إلا حين تتحمل المنظومة كلفة الفشل مثلما استأثرت بعائدات النجاح:
•    الدولة يجب أن توظف أصولها العامة في التعويض لا أن تتنصل؛
•    المصارف مطالَبة بإعادة رسملة نفسها من أموال المساهمين؛
•    ومصرف لبنان مطالب بالشفافية الكاملة في حساباته؛
•    فيما المودع يستحق حماية لا منّة، بل حقاً قانونياً وأخلاقياً.

لبنان لا يحتاج إلى قانون فجوة مالية بل إلى جسر ثقة
الخطر اليوم ليس في حجم الفجوة، بل في اتساع الفجوة بين المواطن ومؤسساته. فكل قانون يُسنّ من دون محاسبة يعمّق الانقسام بين الناس والدولة. والوقت، كما يقول الاقتصاديون، هو عدو الإصلاح؛ كل يوم تأخير يزيد الكلفة ويقلّص الأمل. لبنان لا يحتاج إلى مزيد من النصوص القانونية، بل إلى قرار سياسي وأخلاقي بإعادة بناء الثقة؛ الثقة التي ضاعت عندما أصبحت الدولة خصماً، والمصرف شريكاً في الخسارة، والمواطن الحلقة الأضعف في معادلة بلا عدالة. حين تُعاد كتابة العلاقة على أساس الحق والشفافية، فقط عندها يمكن أن تُردم الفجوة الحقيقية: فجوة الثقة.

هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" ) 


المصدر : Transparency News