محمد فحيلي - باحث مقيم لدى كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال (OSB) في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB)


من موقعي كمراقب: "كانت علاقة رئيس السلطة النقدية مع الشهيد الرئيس رفيق حريري جيدة، وكانت الأمور تسير على أتم ما يرام بين السلطة النقدية والسلطة التنفيذية الحاكمة، وطالما تأتي الحكومات في لبنان، في تركيبتها السياسية، تشبه تركيبة البرلمان. 

ساهم مصرف لبنان في تمويل إعادة إعمار لبنان بعد الحرب الأهلية، وأيضاً ساهم في ترميم الثقة بالنقد الوطني وتحقيق الاستقرار الإقتصادي. ولكن والملفت للنظر، لم يكن السؤال في يوم من الأيام بأي كلفة تحققت كل هذه الإنجازات. 

في تناغم تام مع المنطق الإقتصادي ذهبت مدخرات اللبنانيين وأودعت في حسابات مصرفية، قرش أبيض ليوم أسود، وتم إستثمار الجزء الأكبر من هذه السيولة بين القطاع الخاص (نهضة إقتصادية) والقطاع العام (بنية تحتية). 

بإعتراف الجميع، تغيرت قواعد التواصل وقواعد الإشتباك بين مكونات الحكم، من سلطة تنفيذية وتشريعية ونقدية، بعد إستشهاد الرئيس رفيق حريري وغيابه عن المشهد السياسي اللبناني وإنحرفت السلطة النقدية في مقاربتها للسياسات الداعمة للاقتصاد وإستسلمت إلى الإرادة السياسية الفاسدة وإبتدأ لبنان يشهد هدر للمال العام، التعمد في عدم إقرار موازنات عامة وتكريس نهج الإنفاق العشوائي. وبهذا أصبحت مدخرات الناس تُسَخَر لتمويل الفاسد في السلطة.

وفي محطة لافتة في تاريخ لبنان، إحتفلنا بعدم تأثر لبنان بالأزمة المالية العالمية 2008/2009 بسبب حسن أداء وحكمة السلطة النقدية، ولكن واقع الحال كان غير ذلك: قانون النقد والتسليف يحظر على المصارف توظيف ودائع الناس في أدوات مالية ذات مخاطر عالية، متوسطة أو حتى متدنية. كانت المصارف توظف مدخرات الناس في سندات الخزينة اللبنانية وشهادات إيداع لدى مصرف لبنان إضافة إلى تسليفات لمكونات المجتمع اللبناني، أفراد ومؤسسات.

بمباركة من مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف، إستثمرت المصارف اللبنانية عافيتها في إستقطاب ما تيسر لها من ودائع بالعملة الأجنبية، وكانت شهية المغترب اللبناني جد عالية لجهة إيداع مدخراته في حسابات مصرفية في لبنان. نجحت مكونات القطاع المصرفي في لبنان لتحقيق نمو في ودائعها باللعملة الأجنبية وصلت إلى ثلاث أضعاف الناتج القومي؛ وفي المنطق الإقتصادي هذا مؤشر ضعف وليس مؤشر قوة لأن المصارف عجزت ولم يكن من الممكن توظيف هذا الفائض من السيولة بالعملة الأجنبية (فائض، يتعدى حجم الاقتصاد الوطني وقدرتة على إمتصاص هذه السيولة بطريقة منتجة - أي تمويل مشاريع واستثمارات في القطاع الخاص) بشكل منتج. ولذلك كان للسياسيين حصة الأسد من هذه السيولة؛ وخطط وسهل مصرف لبنان وصول هذه الأموال إلى الفاسد والفاشل في السلطة من دون حسيب ولا رقيب لأنه هو كان الحاكم والحكم على الساحة النقدية، ومنح الفاسدين والفاشلين في الحكم رفاهية العيش برخاء على حساب مدخرات المواطن اللبناني، مقيم ومغترب، رغم كل التحذيرات التي كانت تأتي من الداخل ومن الخارج. 

صُدِمَ اللبنانيين في 17 تشرين أول 2019 عندما أخذت المصارف العاملة في لبنان قرار التوقف عن تلبية طلبات المودعين لسحب مدخراتهم واعتمدت سياسة التقنين بمباركة من السلطة النقدية وغض النظر عن هذه الإنتهاكات من قبل السلطة الحاكمه ومن ضمنها أجهزة الرقابة والقضاء، ومن هذا التاريخ إبتدأ النزيف القاتل: تآكلت مدخرات الناس، تهاوت العملة الوطنية، هُدِرت إحتياطات مصرف لبنان بالعملة الأجنبية في دعم حيتان المال من المستوردين وأصحاب الوكالات الحصرية.

نأت المصارف بنفسها عن الأزمة وإلتزمت الصمت، إنسحبت أجهزة الرقابة وإمتنعت عن تأدية مهامها، وتعمدت السلطة في عدم إقرار الإصلاحات اللازمة لإنقاذ لبنان لأنهم يعلمون بأن الإنقاذ لن يأتي إلا على حساب مكاسبهم السياسية الذي عملوا جاهداً على تحقيقها، والضحية كانت ومازالت المواطن الذي خسرته امواله، والعامل الذي فقد وظيفته، والمؤسسة التي أقفلت وهناك فائض من الآلام يعيشها الوطن والمواطن منذ ستة سنوات.

إنكمش الإقتصاد الوطني بنسبة أكثر من 40%، وهُدِر مخزون مصرف لبنان من العملة الأجنبية، وفقد النقد الوطني ما يقارب ال 90% من عافيته وكرامته، وتحول الاقتصاد الوطني إلى اقتصاد ظل غائب، بعد إصرار وتصميم، عن أعين الرقابة. وتابعت السلطة نهجها بعدم إقرار الإصلاحات بغض النظر عن آلام المواطن والوطن وطلبات الأسرة الدولية لضرورة الإصلاحات وانقاذ البلد.

كان على السلطة الحاكمة التأكيد والحفاظ على:

- سلامة النقد الوطني

-  سلامة القطاع المصرفي

-  سلامة الاقتصاد

ولكنها إختارت الحفاظ على "سلامه، رياض" وترك الإقتصاد والنقد الوطني والقطاع المصرفي ليتهاوى ويسقط.

ذهب سلامة ولكن لم ولن يذهب معه فشل السلطة النقدية في إنقاذ القطاع المصرفي (وليس كل مصرف) ولا الحفاظ على اموال المودعين.

حط الدكتور وسيم منصوري حاكماً بالإنابة وكانت إقامته في هذا المنصب مرحباً بها ليس بسبب ماحققه، ولكن بسبب كره الناس لسلفه رياض سلامة. رغم الاستقرار النقدي في عهد منصوري (الذي كان قد أسس له رياض سلامة في آخر أيامه)، كانت سياساته النقدية أكثر رحمة على مكونات السلطة منها على جيبة المواطن اللبناني وخصوصاً أصحاب الدخل المحدود.

عندما كانت الحكومة والمجلس النيابي يحضرون موازنة ال 2024 في ظل ضياع تام لجهة من أين نأتي بالإيرادات والليرة تتهاوى والإقتصاد ينكمش، قام الحاكم بالإنابة آنذاك، في 18 كانون أول 2023، بتعديل سعر الصرف الرسمي للدولار من 15000 ليرة إلى 89500 ليرة للدولار الواحد. ومن بعدها فتحت أبواب الجنة امام الفاسد والفاشل في السلطة، وأبواب جهنم على كل مواطن: بينما كانت الدولة تعتمد ال 15000 ليرة كسعر الصرف الرسمي للدولار الأميركي - 1$ × 15000ل.ل. لإحتساب ضريبة الدخل وسعر الصرف ذاته لدفع فواتير الكهرباء والماء والانترنت وجميع رسوم وضرائب الدولة؛ أصبحت بعد تعديل سعر الصرف (والمفروض أن يكون مستند على دراسة علمية تشرح الأسباب الموجبة وراء هذا التعديل لجهة التوقيت، في ظل إعداد الموازنة العامة، ولجهة الرقم/سعر الصرف المعتمد) ستة أضعاف ما كانت عليه تدفع مباشرة من لقمة عيش المواطن. فعوضاً عن "مد اليد" إلى مدخرات المواطن، وكان ذلك من أهم إنجازات رياض سلامة، إعتمد الحاكم بالإنابة مباشرة على دخل للمواطن لتمويل الفاسد والفاشل في السلطة. كل لبنان يعلم ويتذكر كيف أصبح كل مواطن، ومن دون شرح أو تبرير وافي من سلطة صاحبة إختصاص، يدفع كل فواتيره ورسومه وضرائبه أضعاف ما كانت عليه (ستة أضعاف)، ووفق تقارير مصرف لبنان، شهد حساب الحكومة لدى مصرف لبنان فائض استثنائي خلال أول ستة أشهر من سنة ال 2024، وتحسنت جبايات مؤسسات الدولة التي تؤمن خدمات مثل الكهرباء والماء وغيرها، وكل ذلك جاء مباشرة من دخل المواطن وليس من مدخراته. وإن كان ذلك ليس تمويل للخزيه، ما هو؟ حافظ منصوري وسعيد (الحاكم الحالي) على نهج سلفهم، سلامة، في إدارة الأزمة النقدية والمصرفية، واليوم يحاولون معالجة وحل هذه الأزمة بالتعاون والتضامن مع وزارة المالية والإقتصاد ورعاية والمساعدة التقنية لصندوق النقد الوطني.

وهل يصبح لبنان واللبناني على خير؟!"

هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" ) 


المصدر : Transparency News