نزيه درويش


في مثل هذا اليوم قبل ست سنوات، خرج اللبنانيون إلى الشوارع في ما سُمّي لاحقاً "انتفاضة 17 تشرين". لكنّي، كما في كل محطاتٍ جماهيريةٍ سابقة، لم أؤمن لحظةً بما رأيته. لم أؤمن بثورات "الربيع العربي"، لا الناجحة منها ولا الفاشلة، كما لم أؤمن بـ"14 آذار" وما تلاها. لم يكن ذلك اصطفافاً في الجهة المقابلة، ولا انحيازاً إلى خصوم "الثائرين"، بل هو ببساطة انعدام الإيمان بالجماهير.

أملك مشاعر متناقضة تجاه ما جرى: بعض التعاطف مع وجوهٍ نزيهة صادقة نزلت بدافع الغضب المشروع، وكثير من البغض لمن مارس التنمّر أو التخوين أو العنف ضدهم. لكنّ الشكّ ظلّ أقوى من أي تعاطف.

عدم إيماني بالجماهير ليس موقفاً آنياً بل مبدأ. لا أصدّق أي تجمّعٍ لأكثر من ثلاثة أشخاص. فكلُّ حشدٍ، مهما كان نقيّ النية، يحمل في داخله بذور الاستغلال، ويُخفي خلف الشعارات من يسعى إلى استثمارها. لذلك، يبقى التزامي الوحيد هو "الالتزام بعدم الالتزام".

أكثر ما لا أصدّقه في 17 تشرين هو وحدة الأهداف. الناس لم تنزل للسبب نفسه، ولا حتى لأسبابٍ متقاربة. كلٌّ كان يصرخ بألمه الخاصّ، يطلب خلاصاً مختلفاً، ويسير في اتجاهٍ لا يعرفه الآخر.

ومن بين كل ما شهدناه، أكثر ما أثار ريبةً في نفسي، أولئك الذين ادّعوا القيادة والتنظير والتأطير، وتحدّثوا باسم "الناس" مؤكدين أنهم يعرفون ما تريد. هؤلاء، في كل زمان ومكان، هم الوجه الآخر لأي سلطةٍ قمعيةٍ أو ديماغوجيةٍ جديدة.

شكّي الديكارتي لا يسمح لي بتصديق أي "قائد" لمسيرةٍ لا أعرف من أين تبدأ ولماذا، ولا إلى أين تنتهي، ولا إلى جانب من سأمشي. فالمسيرات بلا بوصلة، ولو صدحت بالشعارات الأجمل، قد تنتهي في الهاوية.

صحيح أن شعار "كلن يعني كلن" كان في لحظةٍ ما تعبيراً صادقاً عن سخطٍ حقيقي، وربما عن وعيٍ عابر بالفساد المتجذّر، لكنّ تعميمه في كل زمانٍ وملفٍّ صار ضرباً من الطهرانية الزائفة، التي تضع أصحابها إمّا على هامش الهامش، وإمّا في قلب فاشيةٍ ناشئة.

أما اعتقاد البعض اليوم أن الحكم القائم أو بعض من فيه هو ثمرة 17 تشرين، أو انتصار لها، فليس سوى سذاجةٍ طفولية، تشبه طفلاً لا يعرف من العالم إلا حفّاضه.

هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" ) 


المصدر : Transparency News