تشهد الشركات الناشئة في الشرق الأوسط تحولاً لافتاً نحو تمويل النمو عبر الديون بدلاً من الاعتماد على رأس المال الاستثماري، في مؤشر على نضوج بيئة الأعمال الإقليمية. فخلال أيلول/سبتمبر الماضي فقط، تجاوز حجم التمويل بالديون ما جُمِع في الأعوام السابقة مجتمعة، وسط توجه واضح لدى مؤسسات التمويل الدولية لدعم هذا النوع من الصفقات في الأسواق الناشئة.


تتجه الشركات الناشئة في الشرق الأوسط بشكل متزايد نحو تمويل النمو عبر الاقتراض، إذ تجاوز حجم تمويل الديون في أيلول/سبتمبر الماضي إجمالي ما جُمِع في السنوات السابقة. ويرى محللون أن هذا الارتفاع يعكس مرحلة جديدة من النضوج في قطاع الشركات الناشئة بالمنطقة، رغم الحذر العالمي المتزايد تجاه الائتمان الخاص.

ووفقاً لمنصة الأبحاث “ومضة” (Wamda)، جمعت الشركات الناشئة في الشرق الأوسط 3.5 مليارات دولار عبر 74 صفقة في أيلول الماضي، مقارنة بـ 337 مليون دولار فقط في آب السابق. والمثير أن ثلاث صفقات رئيسية فقط كانت وراء هذا الارتفاع الكبير، وجميعها تمويلات ديون وليست استثمارات مقابل حصص ملكية كما هو معتاد في هذا القطاع.

فقد أعلنت شركة التكنولوجيا المالية السعودية “تامارا” عن إعادة تمويل وزيادة تسهيل سابق مدعوم بالأصول مع “غولدمان ساكس”، بقيمة 500 مليون دولار مرفوعة إلى إجمالي 2.4 مليار دولار. كما حصلت منصة التمويل الجماعي السعودية “ليندو” على 50 مليون دولار، بينما نالت شركة “إراد” المتخصصة في إقراض الشركات الصغيرة والمتوسطة 33 مليون دولار.

ويرى خبراء أن اللجوء إلى الديون أصبح خياراً منطقياً لشركات مثل “تامارا” و”إراد”، معتبرين أن الزيادة في تمويل الديون تمثل مؤشراً على نضوج بيئة الشركات الناشئة، خصوصاً في قطاع التكنولوجيا المالية.

وتأتي هذه الصفقات في أعقاب تمويل ديون بقيمة 750 مليون دولار تم تأمينه في كانون الثاني/يناير 2025 من شركتي “ليندو” ومنصة الإقراض الجماعي “فوروس”، إضافة إلى عدد من الصفقات الأصغر حجماً التي رفعت إجمالي تمويل الديون في عام 2025 إلى أكثر من 3 مليارات دولار.

وللمقارنة، جمعت الشركات الناشئة في الشرق الأوسط أقل من ملياري دولار في تمويل الديون عام 2023، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف عام 2022، قبل أن يتراجع الرقم في 2024 إلى 330 مليون دولار فقط.

لكن رغم النمو السريع، تحذر بعض الأوساط من المخاطر المحتملة لصفقات الديون، مستشهدة بما حدث مع شركة “فيرست براندز” الأميركية لصناعة قطع غيار السيارات، التي انهارت بعد تراكم ديون تجاوزت 10 مليارات دولار، ما ترك المستثمرين في مواجهة خسائر كبيرة.

ومع ذلك، يركّز المستثمرون في الشرق الأوسط حالياً على الفرص الإيجابية. وتوضح لوسي تشاو، الشريكة المحدودة في صندوق Pact VC للاستثمار في المراحل المبكرة ومقره لندن، أن هناك سببين رئيسيين وراء ارتفاع تمويلات الديون: “هناك اليوم عدد أكبر من الشركات الناشئة الناضجة والقادرة على السداد دون مخاطر كبيرة، كما أن النظام التمويلي الإقليمي يشهد تطوراً واضحاً”.

من جانبها، قالت أرمينيه باغوميان، رئيسة قسم أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في Partners for Growth، إن “ديون النمو أصبحت مكوّناً أساسياً في رأس المال داخل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”. وأضافت أن “الظروف الاقتصادية العالمية، بما في ذلك ارتفاع أسعار الفائدة وتشدد أسواق الأسهم، دفعت العديد من المستثمرين إلى تفضيل الديون كخيار أقل تخفيفاً لرأس المال مقارنة بصفقات الأسهم”.

وفي خطوة تعكس هذا التوجه، أعلن مركز دبي المالي العالمي (DIFC) وPartners for Growth عن شراكة استراتيجية جديدة لدعم شركات التكنولوجيا عالية النمو في المنطقة والعالم. وقد استثمرت Partners for Growth أكثر من ملياري دولار في تمويل الديون على مستوى العالم، وتركز الشراكة الجديدة على توفير حلول إقراض مدعومة بالأصول للشركات المبتكرة في الشرق الأوسط.


المصدر : النهار