لم تعد المسألة مجرد سجال سياسي داخلي أو صراع كلامي بين زعماء؛ ما نراه اليوم هو اختزال للمؤسسات واحتكار للقرار أصبح يهدد مقوّمات الدولة اللبنانية.


لذلك فإن كلام رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع الذي واجه نبيه برّي مباشرة ووجّه له اتهامات صريحة بـ«اختزال المجلس النيابي» ليس انتقامًا شخصيًا، بل صرخة دفاع عن الديمقراطية والبرلمان.  

تعطيل التشريع: مسؤولية واضحة

الأمر لم يعد اتهامًا فارغًا. تعطيل جلسات البرلمان، وإقصاء مشاريع قوانين مطروحة من قبل كتلة واسعة من النواب، وإبقاء ملفات حسّاسة خارج الهيئة العامة كلها إجراءات تكشف عن سعي لتثبيت نفوذٍ شخصي على حساب مؤسسات الدولة. سمير جعجع حمّل رئيس المجلس مسؤولية تعطيل جلسة تشريعية ورفض طرح اقتراح تعديل قانوني قدمه 67 نائبًا — وهو اتهام يعكس أزمة أداء مؤسساتي حقيقية.  

عندما يقول جعجع إن “المجلس النيابي ليس ملكًا لآل بري”، هو يعيد تذكيرنا بأبجديات النظام البرلماني: القرارات تتخذ بأغلبية النواب، والمجلس هو للمواطنين لا لفصيل أو عشيرة. إصرار أي طرف على جعل المؤسسة امتدادًا لشخص أو لعائلة يقوّض الشرعية ويحوّل السلطة إلى إرث استفزازي. هذا الكلام ليس مبالغًا فيه — إنه نداء لاستعادة دور الهيئة التشريعية كمرآة لمجلس الأمة لا لحاشية زعيم.  

التفاوض مع إسرائيل

أبعد من أزمة البرلمان، ثمة ملفّان استراتيجيان لا يحتملان مزيدًا من التأجيل: ترسيم الحدود النفطية والمفاوضات التي تخصّ مستقبل لبنان الاقتصادي والأمني. أن يذهب سياسي أو طرف مفرد للتفاوض نيابةً عن لبنان بعيدًا عن رقابة الدولة وموافقة مجلسيها وقيادتها، فهذه ليست ديبلوماسية بل استفرادٌ بالقرار. لبنان يحتاج إلى نهجٍ وطني متوافق عليه يضع مصلحته فوق جميع المحاصصات، لا مفاوضات تُدار خلف الأبواب أو عبر حسابات فئوية.  

نبيه برّي عائقًا أم ضامنًا للاستقرار؟

ثمة من يدافع عن برّي بعبارة «هو رجل دولة»، لكن الواقع العملي يفضح أن ثبات موقعه لا يوازي بالضرورة فاعليته في حل الأزمات. عندما تتحوّل الصلاحية إلى وسيلة لإطالة أمد الشلل التشريعي، لا يمكن وصف ذلك بحسن النية بل يجب تسميته تعطيلًا ممنهجًا لعمل الدولة. حتى شركاءه السياسيين أبدوا امتعاضهم من أساليبٍ تُضعف دور البرلمان وتؤخّر مشاريع ضرورية.  
الختام الذي كتبته هو الفقرة الأخيرة من المقال، وسأعيد عرضها وحدها لك بشكل واضح ومركّز لتبدو كخاتمة قوية ومستقلة.

لبنان لا يحتاج إلى تعظيم أشخاص، بل إلى استعادة مؤسساته. كلام سمير جعجع ليس دعوةً لصراعٍ جديد بل تحذير من استمرار مصادرة القرار الوطني. فالدولة التي تُختزل في شخص أو عائلة تفقد معناها، والمجلس النيابي الذي يتحول إلى ضيعة سياسية لا يمثل شعباً بل تابعين.

لقد آن الأوان للبنان أن يتحرر من منطق الاحتكار والعنجهية، وأن يستعيد قراره من قبضة من جعلوا من المؤسسات أدوات بقاء. فالمجلس النيابي ملك الشعب لا ملك نبيه بري ولا آل بري، والدولة ليست رهينة إذن حزب الله أو رضاه. إن الاستقلال الحقيقي يبدأ من تحرير القرار الوطني، لا من ترداد الشعارات.

لبنان اليوم أمام خيار واحد: إما أن يكون دولة لكل أبنائه، أو يبقى رهينة حفنة من المتسلّطين. والشعب اللبناني لن يقبل أن يُدار مصيره بعد اليوم بعقلية الزعامة الموروثة والهيمنة المستمرة.


المصدر : Transparency News