محمد فحيلي، باحث مقيم لدلى كلية سليمان العليان لإدارة الأعمال (OSB) في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB)


في جلسة 23 تشرين الأول 2025، لا تبدو بنود جدول الأعمال (2، 4، 6، و11) مجرد ملفات متناثرة، بل حلقات في سلسلة واحدة تتعلق بجوهر التعافي: استعادة اليقين المؤسسي. فالمادة 2 تمسّ مباشرةً ثقة المودعين وحدود أي معالجة عادلة للخسائر؛ والمادة 4 تفتح باب الحوكمة في مصرف لبنان بين الاستقلالية والمساءلة؛ والمادة 6 تعالج فوضى الإيفاء بالدولار في ظل تعدد أسعار الصرف؛ أمّا المادة 11 فهي المظلّة التي من دونها يتحول كل ما سبق إلى قرارات جزئية تُعيد إنتاج الضباب والدعاوى. السؤال ليس إن كنا سنُقرّها، بل كيف وبأي ترتيب وتحت أي مرجعية تنفيذية وقضائية حتى تُنتج مساراً منظماً لإعادة هيكلة القطاع، وتحمي صغار المودعين، وتضمن حرية التعاقد دون تكريس دولرة عمياء. هذه القراءة تقترح منهجاً عملياً: ربط كل مادة بإطار الإصلاح المصرفي (المادة 11) وتمويله وآليات إنفاذه، بحيث يتحول القانون من شعار سياسي إلى خطة قابلة للتطبيق تُخفّض الكلفة الاجتماعية وتُعيد الثقة.

المادة 2: اقتراح قانون يرمي إلى منع المصارف من شطب أو تصفير أو حسم الودائع.
المغزى المقصود: طمأنة المودعين ووقف أي "هيركت" مُقنَّع عبر محاسبة داخلية أو مقاصة ديون/ودائع.
الإيجابي: يقطع الطريق على ممارسات انتقائية وغير شفافة، ويعزّز مبدأ المساواة بين المودعين.
التعارض والهوامش الرمادية:
يتصادم عملياً مع منطق إعادة هيكلة المصارف (التي تفترض شطب حقوق مساهمين/حملة أدوات رأسمالية وأحياناً بعض الالتزامات إذا لزم) ومع أي قانون للفجوة/توزيع الخسائر أو قرار الـ bail-in.
عبارة حسم الودائع قد تحظر المقاصة القانونية بين الوديعة والقرض، ما يزيد التعثّر النظامي بدل الحدّ منه.
إن لم يُستثنَ منعه في حالات التفليسة/التصفية أو ضمن خطة إعادة هيكلة مُصدَّق عليها قضائياً، يُحوِّل الخسائر فوراً إلى الخزينة أو مصرف لبنان (أي إلى المجتمع).
النتيجة العملية: بدون حزمة كاملة (قانون إعادة هيكلة + جدول أولويات للدفع + معاملة متساوية + قضاء مختص)، تتحوّل المادة إلى شعار سياسي يجمّد المعالجة ويزيد الدعاوى.
التوصية الصياغية: السماح بالشطب/الحسم حصراً ضمن خطة إعادة هيكلة مُقَرَّة قضائياً وبضوابط حماية صغار المودعين والإفصاح الكامل، ومنع أي إجراء أحادي الجانب خارج الخطة.

المادة 4: اقتراح قانون لتعديل ولاية حاكم مصرف لبنان.
المغزى: معالجة الفراغ/التمديد وفتح باب حوكمة جديدة.
الإيجابي: فرصة لإعادة ضبط الاستقلالية والمساءلة (حدّ لعدد الولايات، متطلبات مؤهلات، آليات عزل لأسباب محدّدة).
المخاطر السياسية-المؤسساتية:
تعديل على القياس في توقيتٍ مُسَيَّس يُضعف استقلالية المصرف المركزي وسمعته الدولية.
قد يُستَخدم للهيمنة على السياسة النقدية أو تعطيل ملفات الامتثال (FATF) وتوحيد أسعار الصرف.
ما يجب لحظه قانونياً: أي تعديل لمدّة/ولاية يجب أن يتّسق مع قانون النقد والتسليف ويُربط بحزمة حوكمة: لجنة ترشيحات مستقلة، جلسات استماع علنية، لجنة سياسة نقدية بتركيب وصلاحيات واضحة، ومتطلبات إفصاح دوري.
الخلاصة: التعديل مطلوب كجزء من حزمة حوكمة المصرف المركزي لا كخطوة منفردة؛ وإلا فهو يفاقم عدم الثقة.

المادة 6: اقتراح قانون لتنظيم إيفاء الديون الجديدة بالعملة الأجنبية (الدولار).
المغزى: إنهاء الفوضى التعاقدية في ظل تعدّد أسعار الصرف وضمان يقين الائتمان التشغيلي والتجاري.
المحتوى المقترح/المرتكزات:
تكريس حرّية التعاقد على عملة الإيفاء.
وضوح مرجع التسعير في العقد (سوق/منصّة/مرجع قضائي محدّد).
تحديد مكان الإيفاء وضمانات التحويل والسحب.
اختصاص قضائي واضح وآلية تحكيم سريع للنزاعات.
الإيجابي: يمنح يقيناً تعاقدياً يُعيد فتح الائتمان التجاري والتشغيلي.
المخاطر: تثبيت الدولرة القانونية إن لم يُربَط ذلك بخارطة طريق لتوحيد سعر الصرف ورفع القيود تدريجياً؛ وتعريض المقترضين لمخاطر سعر صرف حادّة دون أدوات تحوّط متاحة.
التوصية: نص تقني مختصر يكرّس ما سبق مع ربط صريح بخطة توحيد الصرف وجدول زمني للتحكيم السريع، لتفادي تأبيد الدولرة.

المادة 11: طلب وزارة المالية الموافقة على مشروع قانون الإصلاح المصرفي.
الأهمية: المظلّة التي يجب أن تسبق/تواكب سائر البنود: تصنيف المصارف، خطط رسملة/تصفية منظّمة، تراتبية توزيع الخسائر (مساهمون، أدوات رأسمالية، ودائنون غير مضمونين…)، حماية صغار المودعين، محاكم/هيئة مختصة، وجدول زمني ملزم.
الإيجابي: إذا صيغ جيداً، يوفّر مساراً نظامياً بدل هندسات ظرفية وتعاميم متضاربة.
مكمن الفشل المحتمل: التجربة السياسية منذ 2019 تُظهر تقطيعًا في الإجراءات؛ إقرار ٢ أو ٦ بمعزل عن إطار ١١ سيعيد إنتاج اللايقين ويزيد الكلفة الاجتماعية.
شرطان للجدوى:
ربط القانون بخطة تمويل لإعادة الهيكلة، مساهمات جديدة، رسملة خاصة، بيع أصول، إدارة أصول سيئة، دعاوى استرداد عند الاقتضاء.
هيئة تنفيذية مستقلة زمنياً ومؤسسيًا، مع صلاحية التدخل المبكر وقرارات مُلزِمة قابلة للتنفيذ القضائي السريع.

ختاماً، ليست موادّ 2 و4 و6 و11 امتحاناً للبلاغة بل خارطة طريق إمّا تُنفَّذ أو تسقط. قوة النصوص لا تُقاس بصخبها بل بقدرتها على إنتاج يقين مؤسسي: ترتيبٌ واضح للأولويات (من حماية المودعين إلى حوكمة المصرف المركزي)، آليات إنفاذ محددة زمنياً، ومؤشرات قياس علنية تُنشر دورياً. المطلوب قرارٌ واحد يجمعها في برنامج تطبيق متكامل: وحدة تنفيذية بصلاحيات محددة، رقابة قضائية مستقلة، سقوفٌ صارمة لأي تمويل من أموال الناس، وبنود تمنع تمديد الاستثناءات إلى ما لا نهاية. عندها فقط ننتقل من إدارة الأزمة إلى صناعة التعافي، ومن ضباب السياسة إلى وضوح القانون والعدالة.


المصدر : Transparency News