فجأة، ومن دون مقدمات، اندلعت حملة سياسية وإعلامية حادّة ضد قرار مجلس الوزراء المتعلق بالبلوك البحري رقم 8، القرار الذي اتُّخذ بالإجماع بعد نقاش معمّق ومداولات رسمية شاركت فيها جميع القوى الممثلة في الحكومة.


الحملة التي صيغت بلغة التشكيك والتأويل، حاولت أن تُظهر القرار وكأنه “تفريط بالسيادة” أو “خدمة لشركة توتال”، في حين تؤكد مصادر مواكبة للملف أن ما جرى هو عكس ذلك تماماً: خطوة مدروسة ومنسّقة تستند إلى المعايير القانونية والفنية والاقتصادية الصرفة، وتندرج ضمن رؤية وطنية لاستعادة الثقة الدولية بقطاع النفط والغاز اللبناني.

قرار بالإجماع… فلماذا الاعتراض الآن؟

من اللافت أن القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء لم يكن مفاجئاً، بل جاء بعد سلسلة اجتماعات ومراسلات رسمية بين وزارة الطاقة وهيئة إدارة قطاع البترول، وأُقرّ بالإجماع.

أي أن كل الأطراف السياسية كانت على علم تام بتفاصيل الملف، وبالأسس التي استند إليها الوزير جو الصدي في مقاربته.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا:

إذا كان القرار حاصلاً على موافقة الجميع، فلماذا ظهرت هذه الحملة المنظمة فجأة، ومن أين تأتي محاولة تصويره كأنه عمل مشبوه أو انحياز لشركة معينة؟

تساؤلات كثيرة تدفع إلى الاعتقاد أن المسألة تتجاوز المضمون التقني إلى خلفيات سياسية وشخصية بحتة.

دور توتال: التزام طويل المدى لا يمكن تجاهله

بحسب معلومات موثوقة من مصادر بترولية، فإن ائتلاف “توتال – إيني – قطر للطاقة” هو الوحيد الذي أبدى التزاماً فعلياً تجاه لبنان منذ انطلاق المسار النفطي.

فحتى اليوم، استثمرت توتال أكثر من 120 مليون دولار في البلوكين 4 و9 من دون أن تحقق أي اكتشاف تجاري بعد، ومع ذلك لم تنسحب ولم تتهرّب، بل بقيت ملتزمة باستكمال عمليات المسح والاستكشاف في البلوك رقم 8.

ووفق البرنامج المعتمد، ستقوم توتال بمسح زلزالي خلال السنوات الثلاث المقبلة كحد أقصى، يليها حفر بئر استكشافي أو قرار بالانسحاب وفق ما تُظهره نتائج المسح.

هذه المدة، بحسب الخبراء، منطقية ومقبولة قانوناً، خصوصاً مع تطبيق قانون تعليق المهل.

الأهمية لا تكمن فقط في وجود توتال، بل في ما يعنيه ذلك للبنان:

فـ حضور كونسورتيوم دولي بهذا الحجم يعزز الثقة الدولية بالقطاع ويشجع شركات أخرى على القدوم،

بينما غيابها أو انسحابها سيكون بمثابة ضربة قاصمة لأي أمل بجذب مستثمرين عالميين جديين.

TGS: شركة مسح… لا أكثر

في المقابل، يشير متابعون إلى أن شركة TGS، التي يجري الترويج لها اليوم على نحو لافت، ليست شركة استكشاف أو إنتاج، بل شركة تجارية تجمع البيانات الزلزالية وتبيعها.

وللتذكير، فإن تلزيمها لم يتم من خلال مناقصة علنية، كما أنها ماطلت لسنوات في البدء بالعمل، ولم تتحرك إلا عندما أبدى تحالف توتال نيّته تنفيذ المسح في البلوك نفسه.

السؤال هنا بسيط ومباشر:

هل من المنطقي أن تُمنح الأولوية لشركة تبيع “داتا” لشركات أخرى، في وقت يعرض تحالف استثماري عالمي تنفيذ المسح والحفر والإنتاج ضمن عقد واضح مع الدولة اللبنانية؟

الوزير جو الصدي لم يلغِ عمل TGS كما يُروّج البعض، بل علّقه مؤقتاً لتفادي تضارب المصالح، مع التأكيد أن توتال قد تستعين بها أو بغيرها في مرحلة لاحقة بعد إجراء مناقصة شفافة.

الوزير الصدي: مقاربة واقعية لا سياسية

منذ توليه وزارة الطاقة، اعتمد جو الصدي مقاربة مؤسساتية شفافة في التعاطي مع ملف النفط،

قائمة على تطبيق القوانين واحترام الأطر التقنية، بعيداً عن الحسابات الإعلامية أو الصفقات السياسية.

فهو لم يُلغِ ترخيصاً قائماً، ولم يمنح امتيازاً جديداً، بل نظّم العلاقة بين الشركات بما يحمي مصلحة الدولة ويمنع التداخل بين المهام.

القرار بتعليق أنشطة TGS، بحسب المصادر نفسها، حُكمته رؤية سيادية واضحة:

إبقاء الملف تحت إشراف الدولة، وضمان أن تكون أي عملية مسح أو حفر منسقة ومتكاملة ضمن اتفاقيات استكشاف وإنتاج معترف بها، وليس بناء على مبادرات تجارية منفصلة

حملة منظمة… ومن المستفيد؟

اللافت أن الحملة على الوزير الصدي جاءت سريعة ومنسقة على نحو غير مسبوق،

وترافقت مع تسريبات واتهامات ومحاولات تشويه لمضمون قرار مجلس الوزراء.

ووفق معلومات متقاطعة من مصادر مطّلعة على كواليس الملف، فقد تحرك الوزير السابق وليد فياض في الكواليس السياسية والإعلامية لإثارة الشكوك حول نيات “توتال”،

مركّزاً على المهلة الزمنية الثلاثية المتاحة للشركة لاستكمال المسح قبل الحفر،

رغم أن هذه المهلة قانونية بالكامل ومبنية على المعايير الدولية في اتفاقيات التنقيب.

ومن بين الأسئلة التي تطرحها الأوساط المتابعة، لماذا تحركت توتال لوضع تقريرها بيد الدولة اللبنانية الآن، ولم يحصل ذلك خلال فترة تولي الوزير فياض؟

هل يشكّل ذلك دليل ثقة بالعهد الجديد ووزيره الحالي جو الصدي، أم أنه إشارة إلى غياب الجدية في العمل خلال المرحلة السابقة؟

فالشركات الدولية الكبرى، كما تؤكد المصادر، تراقب بدقة حركة الإدارة والسياسة في البلد وتبني قراراتها على أساسها، ما يجعل التوقيت الحالي مؤشراً واضحاً على عودة الثقة بالمؤسسات اللبنانية.

التحرك المفاجئ والشرس من قبل الوزير السابق يثير أكثر من علامة استفهام حول خلفياته،

خصوصاً أنه تزامن مع حملة موازية لتلميع صورة شركة TGS التي لم تُبدِ في السابق أي حماسة جدية للعمل قبل تحرّك توتال.

فهل الهدف حماية “الماضي الإداري” أم التشويش على المسار الجديد الذي أطلقه الوزير الحالي؟

الخيار البديهي… الدولة لا تُقام على الشكوك

في النهاية، يبقى السؤال الاستراتيجي المطروح:

إذا كان الخيار بين شركة تجري مسحاً زلزالياً لتبيع البيانات، وبين كونسورتيوم عالمي متكامل من شركات استكشاف وتنقيب يمتلك الخبرة والقدرة والاستعداد للاستثمار الفعلي، فما هو الخيار البديهي والمنطقي لدولة تبحث عن استخراج ثروتها النفطية؟

الجواب واضح:

الجدية لا تُقاس بعدد الشعارات، بل بحجم الالتزامات والاستثمارات.

والوزير جو الصدي، في قراراته الأخيرة، لم يدافع عن شركة بل عن دولة، ولم يختَر بين طرفين تجاريين بل بين الفوضى والتنظيم.

أما من يهاجم اليوم قراراً أُقرّ بالإجماع، فربما عليه أن يجيب أولاً: لماذا لم يتحرك حين كانت الشركات تماطل وتتبادل الأدوار في بحر لبنان؟

ولماذا الآن، عندما بدأت الدولة تفرض إيقاعها، تحوّل “النقد” إلى حملة منظّمة.

في بلدٍ عانى طويلاً من غياب الشفافية في ملف الطاقة، يبدو أن ما يخيف البعض ليس القرار بحدّ ذاته،

بل عودة الدولة لتكون المرجعية الوحيدة فوق المصالح والشركات.


المصدر : Transparency News