خاص - التقسيم هو الحل.. آن الأوان لاسقاط العيش المشترك الكاذب
27-10-2025 10:10 AM GMT+02:00
في الواقع، تبدو بنية النظام اللبناني محاصرة بثلاثة مظاهر واضحة:
أوّلًا، سلاح حزب الله الذي يرفض الخضوع لمنطق الدولة، ويُمسك بقرار الحرب والسلم، محوِّلاً السلطة المركزية إلى ديكور سياسي. بعد كل التحوّلات في المنطقة، وبعد هدنة الجنوب، وبعد كل الضغوط الدولية، لا يزال الحزب يرفض تسليم سلاحه ويعتبر نفسه فوق القرارات الأممية والشرعية.
ثانيًا، المخيّمات الفلسطينية التي بقيت “جزرًا أمنية” خارج سيطرة الدولة، تُمارس داخلها قوى الأمر الواقع سلطتها الخاصة، بما يناقض أي مفهوم للسيادة أو القانون.
ثالثًا، بلطجة نبيه برّي على الحياة السياسية: فالرئيس الذي يُفترض أن يكون “حَكَمًا” للمجلس النيابي تحوّل إلى حارس مفاتيحه الوحيد، يفتح أبوابه حين يشاء، ويُقفلها متى يشاء، ويقرّر انعقاد الجلسات أو تعطيلها وفق حسابات حزبه ومحوره. أيّ ديمقراطية هذه إذا كان المصير البرلماني محصورًا برغبة رجل واحد؟
وفي الجبل، يتحوّل وليد جنبلاط إلى عرش إقطاعي يقطع الطريق على أي معارض درزي يمكن أن يخرج من عباءته، سياسيًا أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا. وفي الشمال، لا يزال سليمان فرنجية يفرض منطق “الزعامة الوراثية” في عكار وزغرتا، مانعًا أي تجدد سياسي طبيعي.
هذه الوقائع ليست وجهات نظر؛ إنها تشكّل سجنًا للمكوّنات اللبنانية التي قرّرت الالتزام بالدستور، ودفعت أثمانًا باهظة للدفاع عن الدولة. في المقابل، هناك من جعل من التهرّب من الدستور أداة سلطة، ومن السلاح ضمانة نفوذ، ومن الخروج على القانون شكلًا من أشكال “الحماية الطائفية”.
هؤلاء لا يرفعون شعار “الشراكة الوطنية” إلا عندما تهتز مصالحهم أو تتعرض شبكاتهم للتهديد. عندها فقط يلوّحون بالميثاقية والطائفة والخطر الوجودي. أمّا حين تُنهب الدولة، وتُعطّل المؤسسات، وتُكدّس الثروات، وتهجّر الأدمغة، فإن الميثاقية تُمحى، والعيش المشترك يتبخّر.
أليس من حقّ شريحة واسعة من اللبنانيين أن تسأل اليوم:
• بأي حق يُحتجز مصير البرلمان؟
• بأي حق يُفرض السلاح على الدولة؟
• بأي حق تُبنى “جزر أمنية” داخل السيادة؟
• بأي حق يُحتكر التمثيل الطائفي والمناطقي؟
• بأي حق تُصادر “الديمقراطية” لصالح زعماء الوراثة والتوريث؟
إن طرح هذه الأسئلة ليس خيانةً. الخيانة هي الصمت أمام عبث كهذا.
لقد دخل لبنان مرحلة السقوط البطيء. انهيار اقتصادي، مؤسسات مفلسة، دولة عاجزة، حدود مفتوحة، قضاء مرتهن، وإعلام مُهدَّد. وحدها “الطوائف المسلحة” و”الإقطاع السياسي” نجت من الانهيار… بل تجددت فوق أنقاضه.
من هنا، يبرز السؤال الأخطر:
ألم يحن الوقت لإعادة طرح الثقة بالصيغة اللبنانية نفسها؟
ما معنى “العيش المشترك” إذا كان طرفٌ قادرًا على فرض إرادته بالقوة، وطرفٌ آخر ممنوعًا من المشاركة إلا بإذن الزعيم؟
أمام هذا الواقع، تُطرح خيارات كانت محرّمة لفظيًا:
• الفدرالية كأداة إعادة توزيع للسلطة والمسؤوليات، وكمخرج من الشلل.
• اللامركزية الموسّعة كحدّ أدنى للنجاة.
• وحتى الانفصال كخيار نظري يتردد صداه لدى الأجيال الجديدة، بعدما دفعت “المناطق المالكة للسلاح” البلاد إلى العزلة والعقوبات والانهيار.
هذه ليست دعوات للانقسام، بل صرخة ضد العيش المشترك الكاذب الذي قايض حياة اللبنانيين لأجل مصالح شبكات النفوذ.
مئة سنة من التجارب أثبتت أنّ هذه الصيغة كانت منصّة صعود لفئة، وساحة تضحية لفئة أخرى.
اليوم، السؤال بات وجوديًا:
هل نبقى أسرى صفقات السلاح والزعامات والوراثات؟
أم ننطلق نحو تفسير جديد للميثاق، يحفظ الدولة ويحمي الإنسان؟
الجرأة ليست في الوقوف خلف شعارات خشبية. الجرأة هي في طرح أسقف سياسية جديدة، وكسر المحرّمات الكلامية، لأن الدستور ليس وجهة نظر… وإن أصبح كذلك عند من استقوى عليه.
لقد آن الأوان لقول الحقيقة بصوتٍ عالٍ:
سقوط العيش المشترك كما طُبِّق ليس خيانة للوطن؛
خيانة الوطن هي الإصرار على العيش في كذبةٍ دمرّت كل شيء، وقتلت أجيالًا كاملة من الأحلام.
المصدر : Transparency News








