مرة جديدة يطلّ النائب نبيل بدر بموقف رمادي، لا هو مع ولا هو ضد، وكأن السياسة يمكن أن تُدار بمنطق “إجر بالبور وإجر بالفلاحة”. فبعد تصريحه الأخير بأن تكتّله سيقسم حضوره بين من يحضر ومن يتغيب عن الجلسة “كي لا يعطّل عمل المجلس النيابي”، بدا واضحاً أنّ بدر يهرب من المواجهة، ويتجنب اتخاذ موقف حاسم من الاستحقاق الانتخابي، خصوصاً في ما يتعلق بحق المغتربين في الاقتراع.


المفاجئ أنّ هذا الموقف جاء من نائب دأب على إطلاق خطابات المزايدة، مظهراً نفسه حاملاً لهموم بيروت والدفاع عن حقوق أبنائها. لكن عندما حان وقت الفعل، عاد إلى لعبة التوازنات بين رضا الرئيس نبيه بري وبين مسؤوليته تجاه ناخبيه، فاختار أن يقسّم موقفه كما يقسّم الغياب والحضور، في محاولة للظهور حيادياً بينما هو عملياً يسهّل استمرار المراوحة.

بيروت التي انتخبته وهي المدينة ذات النسبة الأكبر من المغتربين، تستحق موقفاً واضحاً لا أنصاف حلول ولا سياسة الهروب. فكيف يُنتظر من نائبها أن يدافع عن حقوق أبنائها المنتشرين حول العالم، وهو عاجز حتى عن اتخاذ موقف صريح داخل مجلس النواب؟ سؤال مشروع أمام هذا التردد المتواصل، وكأن الهروب من الكلمة قد أصبح نهجاً ثابتاً.

يظنّ بدر أنه بذلك يتجنب الاصطدام مع القوى السياسية الكبرى، لكنه في الحقيقة يفقد ما تبقى من ثقة الرأي العام البيروتي. فالمغترب الذي يحمل بيروت في حقائبه وهويته يستحق من يمثله بشجاعة لا بمساومات. والسياسة لا تُدار بتوزيع الحضور والغياب، بل بوضوح الموقف والجرأة في الدفاع عن الحق.