خاص- جعجع لبرّي: "خلص وقتك"... هل دقّت الساعة؟
29-10-2025 10:11 AM GMT+02:00
شكّل حزب القوات اللبنانية منذ العام 2005 رأسَ الحربة في مواجهة قوى الممانعة دون مهادنة، حيث تلقّى الضربات المتكرّرة كضريبةٍ سياسيةٍ دفعها نتيجة مواجهته سلطةً تربّصت بالحكم منذ التسعينيات.
فواجهت "القوات" العزلَ والإقصاءَ من الحكومات، والحملاتِ الأمنيةَ والإعلاميةَ المتواصلة، متمسّكةً بموقفها الواضح والثابت تجاه السيادة ورفض التدخّلات الإيرانية والسورية السافرة في الشؤون اللبنانية.
ومنذ بدء انهيار تحالف 14 آذار في العام 2010، تُرك الحزب وحيدًا، فيما تخلّى أركان التحالف عن ثوابت "ثورة الأرز"، ودخلوا في تسوياتٍ مع "حزب الله" في محاولةٍ لربط النزاع، بينما بقيت "القوات" في كباشٍ مستمرٍّ مع "حزب الله" وحلفائه، دون تكافؤٍ في موازين القوى يخولها ردع الحزب عن استباحة البلد، لا في السياسة ولا في القدرات العسكرية، ولا في التحالفات المسخّرة لخدمة أجندته، ولا في الدولة العميقة التي تُحكم قبضتها على الأجهزة الأمنية وإدارات الدولة.
غير أنّ العلاقة بين معراب وعين التينة كانت مختلفة، إذ غلبت عليها البراغماتية بحكم العلاقة مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي، فكانت "القوات" تلتزم بسياسة "ربط النزاع" مع عين التينة، بينما كانت الأخيرة تتلقّف هذه السياسة وتتحاشى الدخول في سجالاتٍ مباشرةٍ مع معراب، باستثناء بعض "الزكزكات" الإعلامية والسياسية من وقتٍ إلى آخر.
ومع دخول التيار الوطني الحرّ، الخصم المسيحي الألدّ لـ"القوات اللبنانية"، إلى السلطة، وإبرامه الصفقات والتسويات مع القوى التي ادّعى معارضتها، لم يُوفّر "القوات" يومًا في حملاته، ولا سيّما في المزايدة بخصومته لبرّي مقارنةً بعلاقة المهادنة بين الأخير و"القوات"، إذ كان برّي يُمثّل بالنسبة إلى "التيار" رمزًا للفساد الذي ادّعى محاربته في الإعلام، في حين تحاصص معه في الوزارات.
ومع انطلاق العهد الجديد، والتحوّلات السياسية في المنطقة، وخسارة فريق 8 آذار امتداده الجيوسياسي وتلقّيه الضربات الموجعة، حقّقت "القوات" مكاسبَ لطالما راهنت عليها منذ سنوات، فتحوّلت من موقعها الدفاعي إلى موقع الهجوم على خصومها لاسترداد الدولة وبناء المؤسسات، لتُشكّل رأسَ المعارضة والقاطرةَ في مواجهة المنظومة.
وسرعان ما تبدّلت سياستها مع عين التينة، ففتحت النار على برّي، وبلغ الصراع أوجَهُ في معضلة انتخاب المغتربين، حيث لم تُوفّر "القوات" وسيلةً إلا واستخدمتها للضغط على برّي من أجل إدراج بند انتخاب المغتربين في الجلسات التشريعية.
وانطلقت الشرارة الأولى من معراب، حيث توجّه رئيس "القوات" سمير جعجع إلى برّي بالقول:
“دولة الرئيس نبيه برّي، لا تستطيع اختزال المجلس النيابي بشخصك. إنّ قولك: إننا قد جرّبنا تصويت المغتربين في الانتخابات النيابية السابقة لمرة واحدة وأخيرة، ولا إمكانية على الإطلاق لتكرار هذا الأمر لمرة ثانية مهما علا الصراخ والضجيج، هو قولٌ يضرب المجلس النيابي والنظام البرلماني والنظام اللبناني والديموقراطية برمّتها.”
وأضاف:
"دولة الرئيس، ربما في السنوات الأربعين الماضية لم يقل لك أحد ذلك، وأنا أقوله لك اليوم: إنّ من يقرّر في المجلس النيابي هو الأكثرية النيابية، لا أنت، ولا أي شخصٍ آخر بحدّ ذاته، مع كامل احترامنا لك ولكلّ شخصٍ آخر. إمّا دستورٌ وقانونٌ ونظام، وإمّا شريعةُ الغاب. ولن نقبل بعد الآن بشريعة الغاب. مع تحياتي، دولة الرئيس."
وختم:
"دولة الرئيس برّي، هذا أقصى ما كنت أتمناه. من هذا المنطلق، نحن في انتظار أن تُدرِج اقتراح القانون المعجّل المكرّر، الذي وقّعه 67 نائبًا، على جدول أعمال أول جلسةٍ تشريعية. ولك منّا ألف تحية."
وبعدها، دعت "القوات" النواب إلى مقاطعة جلسة مجلس النواب التشريعية بسبب عدم إدراج برّي لاقتراح القانون المعجّل المكرّر الذي وقّعه 67 نائبًا، فكسبت الرهان وأسقطت جلسة برّي بعد عدم اكتمال النصاب.
بالتوازي، تقدّم وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجي بمشروع قانونٍ إلى مجلس الوزراء يقضي بإلغاء المادة التي تتعلّق بانتخاب ستة مقاعد للمغتربين، ليتاح لهم الاقتراع لـ128 نائبًا أسوةً بالمقيمين، على أن يُطرح المشروع في أول جلسةٍ حكومية.
وبهذا المسار التصاعدي، تُراكم "القوات" انتصاراتها، متوّجةً نفسها رأسَ حربةٍ فعليةٍ ضد المنظومة، لا بالشعارات الرنّانة، بل بالفعل، واضعةً "التيار" في زاوية الاتهام حتى ينفّذ أقواله بدلًا من تعويم برّي كلّما احتاج إلى أصواته لانتخابه رئيسًا للمجلس أو لتأمين نصاب لجلسات "السَّلبطة".
فهل تُكمل "القوات" معركتها ضد برّي في انتخابات 2026 من أجل كسر احتكار التمثيل الشيعي عبر إيصال نائبٍ شيعيٍّ معارضٍ للثنائي إلى البرلمان؟
وتاليًا، هل تخوض معركة رئاسة مجلس النواب ضد برّي بعد أربعين عامًا من الاستئثار بالسلطة؟








