نجح الملتقى الإعلامي العربي الذي انعقد في بيروت في أن يكون أكثر من مجرّد فعالية مهنية؛ فقد تحوّل إلى حدث رمزي يعيد التأكيد على مكانة العاصمة اللبنانية كعاصمة للإعلام العربي، وكمركز ثقافي وفكري طالما شكّل نقطة التقاء بين العقول والخبرات في المنطقة.


النجاح لم يكن تقنياً أو تنظيمياً فحسب، بل كان نجاحاً في المعنى والجوهر. فالحضور العربي الواسع، والنقاشات التي تناولت التحديات التي تواجه الإعلام في زمن التحوّلات السريعة، عكست رغبة حقيقية في إعادة وصل ما انقطع بين المؤسسات الإعلامية العربية، وإحياء روح التضامن المهني التي لطالما تميّزت بها بيروت.

الملتقى جاء في توقيت يحتاج فيه الإعلام العربي إلى فضاء حر ومسؤول يوازن بين الحقيقة والمصلحة العامة، وقد شكّلت بيروت الإطار الأنسب لذلك، بما تحمله من رمزية الحرية والانفتاح. في هذا السياق، برز الدور اللافت لوزير الإعلام بول مرقص الذي أدار حضوره بروح الانفتاح والدعم، معطياً المثال عن الدولة التي ترى في الإعلام شريكاً لا خصماً، وعن رؤية تستند إلى حرية التعبير كمصدر قوة وطنية.

كما لا يمكن تجاهل البصمة المميّزة لرئيس المنتدى الإعلامي العربي ماضي الخميس، الذي استطاع أن يحوّل اللقاء إلى منصة حقيقية للتلاقي والتجديد، فبفضل الجهود التي بذلها وفريقه، استعاد الملتقى روحه الأصلية كجسر للتفاهم العربي وورشة فكرية تنتج أفكاراً لا شعارات.

لقد أعاد هذا الحدث التأكيد أن بيروت ليست فقط مكاناً لانعقاد المؤتمرات، بل فكرة قائمة بحد ذاتها: فكرة الانفتاح والحوار والتنوّع. ومن خلال الملتقى، استعادت المدينة بعضاً من وهجها الذي خبا في السنوات الماضية، لتؤكّد أنها ما زالت قادرة على أن تكون عاصمة الإعلام العربي، وعاصمة المعاني أيضاً — حيث الحرية ليست ترفاً بل ضرورة، والإبداع ليس خياراً بل هوية.

كما شكّل الملتقى، بما حمله من دلالات وانفتاح، خطوة أولى نحو عودة الإعلام العربي إلى بيروت كمركز إنتاج وتواصل. فالعاصمة التي كانت يوماً منارة للصحافة والإذاعة والتلفزيون، بدت من جديد مرشّحة لاستعادة هذا الدور من خلال استقطاب الاستثمارات الإعلامية العربية. فالنقاشات والمشاركات التي شهدها الملتقى فتحت الباب أمام تفكير جدي بإعادة إطلاق مشاريع إنتاجية واستوديوهات حديثة في بيروت، لما تملكه من طاقات بشرية مبدعة وبنية ثقافية راسخة. بذلك، يصبح الملتقى مقدّمة لمرحلة جديدة تجعل من بيروت مجدداً قاعدة انطلاق للإعلام العربي ومركز جذب للمؤسسات الكبرى الباحثة عن بيئة حرّة وخصبة للإبداع.


المصدر : Transparency News