حين قال الموفد الأميركي إلى الشرق الأوسط والسفير السابق في تركيا توم باراك إنّ لبنان أصبح دولة فاشلة، لم يكن يطلق توصيفًا عاطفيًا أو موقفًا إعلاميًا عابرًا.


الرجل يتحدث من موقع الخبرة والتجربة، ومن خلال تقارير ودراسات تراكمت في الدوائر الأميركية والغربية حول انهيار مؤسسات الدولة اللبنانية.

تصريحه ليس رأيًا شخصيًا بقدر ما هو إعلان سياسي غير مباشر عن تحوّل في النظرة الدولية إلى لبنان: من دولة قادرة على الإصلاح إلى كيان عاجز يحتاج إلى وصاية إدارية دولية لإنقاذ ما تبقّى من مقوماته.

فشل لبنان لم يعد مجرد أزمة داخلية، بل أصبح قضية أمن واستقرار إقليمي. الدولة فقدت سيادتها على حدودها، والقرار فيها مختطف من قبل أحزاب وسلطات تتقاسم النفوذ كما تتقاسم الغنائم. مؤسسات الدولة عاجزة عن تأمين الكهرباء، والمياه، والدواء، والعدالة. القضاء مرتهن، والمصرف المركزي رهينة التجاذبات، والبرلمان ساحة تعطيل لا تشريع. كل ذلك يجعل توصيف “الدولة الفاشلة” مطابقًا للواقع لا للمبالغة.

التجربة الأميركية في المنطقة ــ من العراق إلى أفغانستان، ومن غزة إلى لبنان ــ علمت واشنطن أنّ ترك الدول في قبضة الفساد والفوضى لا ينتج سوى التطرف والانهيار. من هنا، يرى بعض المراقبين أن كلام توم باراك يحمل في طيّاته تحذيرًا مبطّنًا: إذا استمرّ الانهيار، فإنّ المجتمع الدولي قد يذهب إلى نموذج “الإدارة الدولية” كما يُطرح اليوم في ملفّ غزة، حيث يجري البحث في تشكيل لجنة دولية لإدارة القطاع تحت إشراف أممي وإقليمي.

وبالمقارنة، فإنّ فكرة تشكيل لجنة دولية لإدارة لبنان لم تعد من الخيال السياسي. فحين تنهار كل مؤسسات الدولة، وتتآكل السلطة القضائية والمالية والإدارية، يصبح البحث عن وصاية مؤقتة أو إدارة انتقالية دولية احتمالًا مطروحًا لدى القوى الغربية التي سئمت التعامل مع منظومة سياسية فاسدة، عاجزة عن الإصلاح أو المحاسبة.

تصريح توم باراك، إذًا، ليس مجرّد انتقاد. إنه جرس إنذار: المجتمع الدولي يقترب من لحظة الحسم، والخيارات تتدرّج بين عقوبات قاسية تطال رموز الفساد والسلطة، وبين انتقال فعلي لإدارة دولية تتولى إنقاذ مؤسسات الدولة من داخلها.
أما اللبنانيون، فإمّا أن يستيقظوا لانتزاع دولتهم من هذه المنظومة المهترئة، أو أن يقبلوا بأن يصبح مصير وطنهم مرهونًا بلجنة دولية جديدة، تكتب ما تبقى من تاريخ الجمهورية على صفحات الأمم المتحدة.