في بلد يُفترض أنه يقوم على العدالة والقانون، تتكشف يومًا بعد يوم مأساة داخل جدران السجون اللبنانية، حيث يموت سجناء بصمت، إما بسبب الإهمال الطبي، أو انتحارًا تحت وطأة المعاناة النفسية، دون أن يمثلوا حتى أمام القضاء.


الأسماء التي تُتداول اليوم ليست لأشخاص ارتكبوا جرائم وأدينوا، بل لأفراد قضوا داخل الزنازين من دون محاكمة أولية، بعد أن تجاوزت مدة توقيفهم الخمس سنوات في بعض الحالات، وسط صمت رسمي مخزٍ وتجاهل من السلطات القضائية والأمنية.

وفقًا لمصادر حقوقية، فإن العديد من حالات الوفاة داخل السجون اللبنانية لم تُفتح بشأنها أي تحقيقات شفافة، لا طبية ولا قضائية، ولم تُصدر أي جهة رسمية بيانات توضح ملابسات ما جرى. معظم التقارير الطبية التي تُحرّر لاحقًا تكتفي بعبارة “توفّي طبيعيًا”، من دون ذكر الأسباب الدقيقة، أو الإشارة إلى ظروف الاحتجاز القاسية التي تسبق الوفاة.

ويؤكد ناشطون في مجال حقوق الإنسان أن هذه الحالات تُشكّل جريمة إنسانية موصوفة، تتعارض مع أبسط المعايير الدولية لحقوق السجناء، ومع التزامات لبنان تجاه الاتفاقيات الأممية التي تنصّ على ضرورة توفير الرعاية الصحية والنفسية لكل موقوف، وتمكينه من المحاكمة العادلة ضمن مهلة معقولة.

وتطالب جمعيات حقوقية ولجان متابعة السجون بفتح تحقيق شامل في كل حالة وفاة داخل السجون، ومحاسبة المسؤولين عن الإهمال أو التعذيب أو الإذلال، كما تدعو إلى نشر لوائح رسمية بأسماء المتوفين وظروف احتجازهم، حفاظًا على حق ذويهم في معرفة الحقيقة، ومنعًا لاستمرار هذا التعتيم المتعمد.

اليوم، تُطرح هذه الأسماء برسم الرأي العام والهيئات الرقابية والقضائية: من المسؤول عن موت كل سجين؟ من يتحمّل تبعات صمته ومعاناته؟ وهل يمكن للبنان أن يدّعي احترام العدالة فيما يموت أبناؤه خلف القضبان من دون محاكمة؟

إنها ليست مجرّد إحصاءات، بل صرخة في وجه نظام سجون منهك ومهمل، باتت فيه الكرامة الإنسانية آخر ما يُؤبه له. جريمة تتكرّر بصمت، وتحتاج إلى ضمير قبل أن تحتاج إلى قانون.


المصدر : Transparency News