يجد الاحتياطي الفيدرالي الأميركي نفسه محاصراً بما وُصف بـ "المعضلة المزدوجة" التي تفرض تحدياً استثنائياً على مسار السياسة النقدية.


تتأجج نبرة القلق داخل البنك المركزي مع تزايد الضغوط التضخمية التي لا تزال بعيدة عن المستهدف، بينما في الوقت ذاته، تلوح في الأفق إشارات تذبذب ووهن في البيانات الاقتصادية، ما يرفع من شبح الركود. 

تتجه الأنظار نحو اجتماع ديسمبر المقبل لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وسط جدل واسع حول مستقبل أسعار الفائدة، بين مؤيدين لمواصلة دورة الخفض ومعارضين يخشون من تهديد استقرار الأسعار أو تراجع قوة سوق العمل.

الانقسام لا يقتصر على الأسواق فحسب، بل يمتد إلى داخل الفيدرالي نفسه، حيث تتباين مواقف المسؤولين بشأن التوقيت المناسب لمزيد من التيسير النقدي. فبينما يرى البعض أن تباطؤ سوق العمل يبرر خفضاً إضافياً للفائدة، يحذر آخرون من أن التضخم المستمر فوق المستهدف قد يفلت من السيطرة إذا تم التسرع في قرارات التيسير.

وقالت بيث هاماك، رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، إنها متشككة في قدرة البنك على المضي في خفض إضافي للفائدة في ظل الضغوط التضخمية، معتبرة أن التيسير الذي تم خلال العام الماضي كافٍ حالياً. وأشارت إلى أن “الفيدرالي بالكاد يمارس دوراً في كبح اقتصاد لا يزال ينتج معدلات تضخم مرتفعة”.

أما ليزا كوك، عضو مجلس المحافظين، فقد رأت أن اجتماع ديسمبر سيكون “مفتوحاً على كل الاحتمالات”، موضحة أن إبقاء الفائدة مرتفعة جداً قد يضعف سوق العمل، بينما خفضها بشكل مفرط قد يزعزع توقعات التضخم.

من جانبها، وصفت ماري دالي، رئيسة بنك سان فرانسيسكو، قرار الخفض الأخير بأنه كان “تأميناً إضافياً ضد ضعف التوظيف”، لكنها أكدت ضرورة الموازنة بين كبح التضخم والحفاظ على الوظائف.

في المقابل، دعا محافظ الفيدرالي ستيفن ميران إلى خفض أكثر جرأة في أسعار الفائدة، معتبراً أن ازدهار أسواق الأسهم لا يعني بالضرورة أن السياسة النقدية متساهلة، بينما أبدى جيفري شميد، رئيس بنك كانساس سيتي، معارضته لأي خفض جديد، مشيراً إلى أن الأسواق المالية النشطة تعكس أن السياسة الحالية بالكاد مقيدة.

الانقسام في صفوف أعضاء الفيدرالي أثار نقاشاً واسعاً بين خبراء الاقتصاد.

يقول جو يرق، رئيس قسم الأسواق العالمية في شركة Cedra Markets، لموقع اقتصاد سكاي نيوز عربية إن “التباين بين أعضاء الفيدرالي طبيعي في ظل ضبابية البيانات بعد الإغلاق الحكومي الأميركي الأخير”، مشيراً إلى أن سوق العمل يبدو أضعف مما كان متوقعاً، ما يجعل أي قرار مستقبلي رهناً بتطور الأرقام الاقتصادية.

أما خبير أسواق المال محمد سعيد، فيرى أن الفيدرالي يواجه معضلة مزدوجة بين السيطرة على التضخم والحفاظ على التوظيف الكامل، موضحاً أن فريق “الحمائم” يدعو إلى خفض سريع للفائدة لدعم النمو، بينما يتمسك “الصقور” بسياسة أكثر تشدداً خشية عودة التضخم للارتفاع.

ويؤكد سعيد أن الانقسام داخل الفيدرالي يجعل قرار ديسمبر غير محسوم، رغم أن الأسواق لا تزال تتوقع خفضاً بربع نقطة مئوية كحل وسط يوازن بين دعم النمو وكبح التضخم.

ويختم بالقول إن الاحتياطي الفيدرالي يبعث رسالة حذر واضحة للأسواق: قرارات الفائدة المقبلة لن تكون مسبقة التحديد، بل مرتبطة تماماً بتطور البيانات الاقتصادية في الأسابيع المقبلة.


المصدر : وكالات