الجيش اللبناني المظلوم: من ساحات المجد إلى مؤامرة التهميش
14-11-2025 02:11 PM GMT+02:00
في كل مرّة تُفتح فيها ملفات الصراع مع إسرائيل، يطلّ علينا من يحاول إعادة كتابة التاريخ على قياس مصالحه. وفي برنامج "صار الوقت"، سمعنا كلامًا من فيصل عبر الساتر، يُلمّح وكأن حزب الله هو من أسّس لمفهوم المقاومة، وكأن الجيش اللبناني كان مجرّد متفرّج.
لكن الحقيقة، يا سادة، أن الجيش اللبناني كان ولا يزال اللبنة الأولى والوحيدة في معادلة الدفاع عن الوطن — قبل أن تُزرع في الجنوب مشاريع مسلّحة تعمل لحساب الخارج تحت شعارات المقاومة.
منذ 1948… حين كان الجيش وحده في الميدان
منذ قيام الكيان الإسرائيلي سنة 1948، كان الجيش اللبناني حديث النشأة، محدود العتاد والإمكانيات، لكنه شارك بفعالية في حرب فلسطين.
قاتل الجيش اللبناني على جبهة المالكية والعديسة وحولا، وصمد بشرف رغم تخلّي الجيوش العربية الكبرى عنه. كانت تلك أولى صفحات المجد في كتاب الدفاع الوطني، قبل أن يبدأ تسويق أي فكرة اسمها “مقاومة”.
ومنذ توقيع اتفاق الهدنة عام 1949، لم يكن الجيش يومًا غائبًا، بل مقيّدًا بقرار سياسي داخلي فُرض عليه بحجة “النأي بالنفس”، بينما بقيت عيونه وسلاحه متجهين نحو الجنوب.
من 1968 إلى 1972: سنوات المجد المنسي
خلال هذه السنوات، واجه الجيش اللبناني إسرائيل وجهاً لوجه على الحدود.
عندما كانت الطائرات الإسرائيلية تقصف القواعد الفلسطينية في الجنوب، كان الجيش يفتح النار من مواقعه دفاعًا عن الأرض والسيادة.
استُشهد ضباط وجنود لبنانيون، لكن لم تُذكر أسماؤهم في الإعلام لأنّ اللعبة السياسية كانت قد بدأت — لعبة تهميش الجيش وتهيئة المسرح لبديلٍ طائفيٍّ مسلّح.
1975 – 1982: انهيار الدولة وصعود الميليشيات
مع اندلاع الحرب الأهلية، تفككت الدولة، وتفكك معها الجيش، ودخلت الميليشيات على خطّ السلاح والولاءات الخارجية.
في هذا المناخ وُلد “حزب الله” سنة 1982، برعاية الحرس الثوري الإيراني، لا كردّ فعل وطني على الاجتياح الإسرائيلي، بل كمشروع إقليمي لإبقاء لبنان ورقة ضغط بيد طهران.
وبينما كان الجيش يُعاد بناؤه بشقّ الأنفس، تُرك الجنوب عمداً خارج سيطرته، لتتكرّس معادلة “جيش + شعب + مقاومة”، وهي عملياً مناورة سياسية لإبقاء السلاح خارج الدولة.
2000 و2006: إنجازات مشروطة ومصادرة للنصر
صحيح أن انسحاب إسرائيل من الجنوب سنة 2000 كان إنجازاً وطنياً كبيراً، لكن من الخطأ القول إنّه “انتصار حزب الله وحده”.
فالضغط الشعبي، والدماء التي سقطت من الجيش والمواطنين، والواقع الدولي بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، كلها عوامل تضافرت.
لكن الحزب استثمر الانسحاب ليقدّم نفسه كبديل عن الدولة والجيش، ويُبقي سلاحه بحجة “الردع”، بينما كانت الدولة تسعى لاستعادة سيادتها الكاملة.
والنتيجة: جيش مُهمّش وميليشيا محصّنة
اليوم، بعد عقود، يتبيّن أن المعادلة التي رُسمت بعد 1982 كانت تهدف إلى إضعاف الجيش اللبناني عن قصد.
كل مرة يحاول الجيش أن يستعيد دوره، يخرج من يقول له: “المقاومة هي التي تحمي لبنان”.
لكن من يحمي لبنان فعلاً هو المؤسسة الشرعية، المنضبطة، غير التابعة لأجندات خارجية.
الجيش اللبناني ليس جيش طائفة، بل جيش وطن كامل — دماؤه من كل بيت، وشهداؤه من كل قرية، وسلاحه تحت راية الدولة لا تحت عمامة أو شعار.
ختامًا: الحقيقة التي لن تُطمس
من الظلم التاريخي القول إن حزب الله هو “المقاومة الأولى”.
الحقيقة أن الجيش اللبناني كان أول من قاوم، وأول من نزف، وأول من دافع عن الحدود، قبل أن تُحوَّل المقاومة إلى مشروع سياسي مذهبي.
وإذا كان هناك من يريد تزييف التاريخ، فليعلم أن الذاكرة الوطنية لا تموت، وأن اللبنانيين يعرفون تماماً من حمى الوطن يوم كانت البنادق مرفوعة بشرف، لا بتكليف.
المصدر : Transparency News








