كتب ماريو نوفل على حسابه في منصة X


وفقاً لمصادر متعددة وموثوقة داخل وزارة الخارجية الأميركية، فإنّ الهامش الضيّق الذي كان يُبقي الوضع اللبناني في حالة “جمود بطيء” بدأ يتلاشى بسرعة، مع حصول إسرائيل على شبه إجماع دولي لدعم حملة قصف محدودة ولكن قاسية للغاية ضد ما تبقى من القدرات العسكرية لدى حزب الله.

وخلال الأسابيع المقبلة، وبعد فترة وجيزة من زيارة البابا إلى لبنان، من المتوقع أن ترتفع وتيرة الغارات الجوية بما لا يقل عن عشرة أضعاف.

السبب الجوهري هو معلومات استخبارية حديثة و”مقنعة” تشير إلى أنّ حزب الله نجح في عرقلة مهام التفتيش العسكرية اللبنانية، وفي الوقت نفسه أعاد بناء ترسانته ومستودعاته بوتيرة مقلقة، خصوصاً لناحية تطوير طائرات مسيّرة رخيصة وفتّاكة.

ورغم التحذيرات المتكررة، تجاهل لبنان وإدارته معظم الضغوط الإسرائيلية… حتى الآن.

في واشنطن، بات هناك شبه إجماع بأنّ لا إمكانية لردع حملة عسكرية جديدة تهدف إلى القضاء على المكاسب الأخيرة التي حققها حزب الله.

لقد نفد صبر الأميركيين تماماً.

إلغاء مفاجئ لزيارة قائد الجيش اللبناني

اتخذت إدارة الرئيس دونالد ترامب خطوة غير مسبوقة بإلغاء جميع اللقاءات التي كانت مقررة لقائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل قبل ساعات قليلة من موعد سفره إلى واشنطن هذا الأسبوع.

كما أُجبرت السفارة اللبنانية على إلغاء حفل الاستقبال الذي كان معدّاً على شرفه، فيما أوقفت الجهات الأميركية عملياً أي تواصل مع القيادة اللبنانية.

السيناتور ليندسي غراهام هاجم هيكل بشدة قائلاً إنّ جهوده لـ“نزع سلاح حزب الله ضعيفة وغير موجودة تقريباً”، واصفاً الجيش اللبناني بأنه “استثمار غير مجدٍ لأميركا”.

وانضمّت إليه السيناتور جوني إرنست التي قالت إنّ هيكل “يلقي اللوم المخزي على إسرائيل بدلاً من اغتنام الفرصة لتحرير لبنان من حزب الله”.

الشرارة: بيان للجيش اللبناني

النقطة التي فجّرت الغضب الأميركي كانت بيان الجيش اللبناني الذي وصف إسرائيل بأنها “العدو” — وهو توصيف اعتيادي في الخطاب الرسمي اللبناني منذ 1948 — إضافةً إلى إدانة الاعتداءات الإسرائيلية على السيادة اللبنانية بعد إطلاق الجيش الإسرائيلي النار على عناصر من قوات اليونيفيل.

ووفق المصادر، فقد جرى تصعيد الموضوع مباشرة إلى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي يشرف حالياً على كل المساعدات العسكرية للبنان، ما يضع أكثر من 3 مليارات دولار من الدعم على المحك.

واشنطن غاضبة من التخاذل اللبناني

تقول المصادر إنّ الأميركيين غاضبون من أنّ القيادة اللبنانية – باستثناء رئيس الحكومة نواف سلام – لم تُدرك خطورة ما يجري، ولم تتعامل بالسرعة التي تطلبها واشنطن، رغم حصولها على معلومات مباشرة حول إعادة تسليح حزب الله بوتيرة مرعبة.

المفارقة: المنطقة على بُعد خطوة من “سلام تاريخي”

المأساة أن الشرق الأوسط لم يكن يوماً أقرب إلى اتفاق سلام فعلي.
فجاريد كوشنر نجح – بطريقة تكاد تكون مستحيلة – في جمع الولايات المتحدة وقطر والإمارات والسعودية وتركيا للدفع باتجاه توسيع اتفاقات أبراهام.

الأغلبية الساحقة من الإسرائيليين تريد السلام. ومعظم اللبنانيين أيضاً يريدون السلام. والأساس جاهز.

ولبنان عُرضت عليه فرصة عمره:
دعم لا محدود لجيشه ورئيسه، وحزم إعادة إعمار ضخمة، وحلول للأزمة المصرفية والفساد.

كل ما عليه فعله هو الدخول في مفاوضات مباشرة وهادفة مع الإسرائيليين.

إنها فرصة أفضل حتى من مفاوضات الترسيم البحري التي صبّت في مصلحة إسرائيل بشكل كبير.

لكن مجموعتين متطرّفتين تُفشلان كل شيء

على الطرف الأول: إيران.
تضغط بكل قوتها على حزب الله وعلى حلفائها داخل لبنان لرفض أي مفاوضات مع إسرائيل، رغم أنّ الموافقة قد تجعل لبنان مزدهراً.
إيران لا تريد حلولاً؛ تريد حرباً دائمة لأنها تُبقي نفوذها قائماً.

على الطرف الآخر: وزراء متطرفون في إسرائيل مثل سْموتريتش وبن غفير، اللذين يمسكان بخناق نتنياهو.

قبل يومين، دخل نتنياهو جنوب سوريا بدون إذن، في خطوة استفزازية تهدد كل الجهود الدبلوماسية الهشة.

سوريا الجديدة… ونتنياهو يتعمد الإهانة

القائد السوري الجديد شرعاء اتخذ موقفاً لافتاً بالهدوء والانفتاح، رافضاً الانجرار رغم الانتهاكات الإسرائيلية.
وذلك لأنه قدّم التزاماً شخصياً للرئيس ترامب، وللأمير محمد بن سلمان، ولأردوغان، بالسعي للسلام والانفتاح الاقتصادي.

لكن ما يحصل هو إهانة كاملة له بسبب سياسات “صقور الحرب” داخل إسرائيل.

لبنان تحت الضغط… والشارع جاهز للسلام

المجتمع الدولي – الولايات المتحدة وفرنسا والخليج والأمم المتحدة – يضغط بقوة لجرّ لبنان إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل.
واللبنانيون، بدافع من الانهيار الاقتصادي، بدأ كثيرون منهم بتأييد هذا المسار.
حتى داخل الطائفة الشيعية هناك كتلة صامتة مؤيدة لهذا الخيار، لكن إيران تستمر في منع حليفها من الاستفادة.

الصدمة الكبرى: فرصة حلّ الدولتين كانت على الطاولة

كوشنر، عبر الموفدين الخاصين ستيف ويتكوف وتوماس باراك، نجح في تقريب المسافة بين قطر والسعودية والإسرائيليين المعتدلين والفلسطينيين إلى حدّ غير مسبوق.
وكان هناك إطار فعلي لحلّ الدولتين.

لكن المتطرفين في إسرائيل الذين يرفضون قيام دولة فلسطينية، وإيران التي تريد بقاء الصراع، ينسفون كل شيء.

وها هي إسرائيل تستعد لتصعيد هائل في لبنان

في خطوة قد تنسف شهوراً من العمل الدبلوماسي الشديد التعقيد، تستعد إسرائيل لرفع وتيرة العنف في لبنان بشكل كبير.

ولا شيء يقول “نحن جادون في السلام” مثل التحضير لقصف الجار بعنف، بالتزامن مع قطع كل قنوات التواصل الدبلوماسي


المصدر : Transparency News