في حلقة جديدة من برنامج "تحدّي الـ15 سؤال" مع الإعلامي ربيع ياسين، فتحت المؤثّرة والخبيرة في التواصل هبة دندشلي قلبها أمام منصّة "بالعربي"، لتروي حكاية امرأة بحثت عن ذاتها بين صيدا وبيروت، بين المراهقة والأمومة، بين الانفصال والحبّ، وبين معايير الجمال المفروضة والصلح مع النفس.


من طفلة تحبّ المقابلات… إلى هبة دندشلي كما نعرفها اليوم

تعرّف هبة عن نفسها ببساطة: أنا صبيّة ربيت بصيدا، بحبّ الحياة، وبحبّ الناس."

منذ طفولتها، كانت علاقة هبة مع التواصل مختلفة. تتذكّر جيدًا عمر الـ11 سنة، حين كانت تنتظر سفر أصدقاء أهلها لتُعِدّ لهم بطاقات صغيرة عليها أسئلة، وتُجري معهم "مقابلات" فور عودتهم. هناك، تقول، وُلد حسّ التواصل لديها.

حلمت يومًا أن تكون "DJ"، وكانت دائمًا عاشقة للموسيقى: "كنت دائمًا قول: music is my life… كل أنواع الموسيقى اللي بتحكيني بدينتي بتواصل معها."

لكن طريق الدراسة والمهنة لم يكن مستقيمًا كما رُسم لها في المدرسة والمجتمع.

 

من التغذية إلى التسويق فالموضة: طريق لا يشبه الخطّ المستقيم

دخلت هبة اختصاص التغذية في الجامعة من دون شغف حقيقي.

تقول إنّها كانت شاطرة في الأحياء، وربما درست التغذية لتفهم أكثر جسدها ووزنها الذي عانت معه في فترة المراهقة، لكنّها تعترف: "ما درستها عن شغف… ولا كرمال ساعد الناس بنظامهم الغذائي."

 

سريعًا أدركت أنّ هذا المسار لا يشبهها. شعرت بـ"فراغ" بينها وبين ما تدرسه، فـ"كل جسمها وعقلها وطاقتها كانوا يرفضوه"، فتوقفت.

انتقلت بعدها إلى عالم الأعمال والتسويق، فتابعت ماستر في إدارة الأعمال مع تركيز على الإدارة والتسويق، ومنه دخلت مجال التسويق الطبي، ثم إلى عالم الموضة وإدارتها والتواصل فيها.

تقول:"حياتي كانت عكس كل شيء علّمونا ياه… ما مشيت بخط واحد ثابت، أنا تعلّمت بالطريق الصعبة أن الحياة مش خط مستقيم من أوّل وظيفة لآخر وظيفة."

الموضة بالنسبة لهبة ليست "ماركات" بقدر ما هي أسلوب وتفرّد. منذ سن الرابعة عشرة، كانت تشتري الجينز والـ T-shirts وتزيّنها بالخَرَز والكريستال والتطريز، وتبحث عن قطع مميّزة تعبّر عن شخصيتها.

لكنّ المحطّة الحاسمة في حياتها لم تكن لا التغذية ولا الموضة، بل التواصل والسرد القصصي.

 

شغفها الحقيقي: القصّة والإنسان خلف الصورة

تقول هبة إنّ أكثر ما جذبها في كل المراحل كان القصص: "أنا اقعد، خبرني قصّة بتعني لك أو بتشوف حالك فيها، بقعد بسمعك بالساعات… وبتأثّر."

من هنا وُلد مشروعها "Works for Hiba"، ومن خلاله بدأت تكتشف ما تحبّ وما لا تحبّ، وتفهم أن دورها اليوم هو أن تُظهر الصورة الحقيقية للناس بعيدًا عن الوجه المصقول لوسائل التواصل الاجتماعي.

تشرح رؤيتها للسوشال ميديا:

"اليوم على السوشال ميديا منشوف الصورة الحلوة بس، بس الحقيقة إنّو نحن كلنا قصص وطبقات وأزمات وعِقَد… حبيت أكسر هذا الحاجز، فرجي هبة الحقيقية، وشجّع غيري يحكي قصّته بالطريقة الصح اللي بتشبهو، مش اللي الناس بدها إياها منه."

 

تجربة التنمّر الإلكتروني… ومثلّث المسؤولية

لم تكن رحلة هبة مع السوشال ميديا ورديّة. في العام 2015 – 2016 تقريبًا، تعرّضت لحملة تنمّر إلكتروني قاسية من حساب وهمي:

تعليقات نابية، مسّ بالشكل والجسد والعائلة والشرف، وصولًا إلى تهديدات مباشرة بالوصول إلى بيتها.

تقول: " كإمرأة أو كرجل، لما تحسّ إنّو في حدا عم يخترق مساحة بتحسّها آمنة، بتخاف. ما كان عندي تجارب، ما كنت بعرف كيف بنواجه هالأشياء."

في البداية لجأت إلى الطريقة التقليدية: حظر (Block)، لكن الحسابات كانت تعود بأسماء جديدة. تواصلت مع أشخاص مختصّين بالمعلوماتية، فاكتشفت أن الحساب من خارج لبنان، ما صعّب عليها اللجوء إلى القضاء.

من هذه التجربة، بنت هبة ما تسميه "مثلّث المسؤولية" في مواجهة التنمّر الإلكتروني:

-        الإنسان نفسه:

على كل شخص أن يحمي طاقته وحدوده الداخلية، وألّا يسمح لكلمات مهينة أن تغيّر صورته عن نفسه أو حقيقة من هو.

 

-        منصّات التواصل الاجتماعي:

تعتبر أنّ على المنصّات مسؤولية تطوير أدوات الحماية، من إخفاء التعليقات المسيئة إلى مناهج الإبلاغ عن الحسابات المسيئة، مع اعترافها بأن حدود هذه الأدوات ما زالت قيد التجربة.

 

-        القانون:

عندما يكون المتنمّر شخصًا حقيقيًا معروفًا، ترى هبة أن العقاب القانوني ضرورة، وإلّا تتحوّل السوشال ميديا إلى مساحة تفلّت مفتوحة على كل أنواع الأذى.

ترى أنّ ما تعمل عليه مبادرات مثل حملات مكافحة العنف الرقمي ضد النساء، ومنها تجارب شاركت فيها، هو محور أساسي لحماية النساء من هذا النوع من الانتهاكات.

 

التنمّر على النساء… وجرح الخصوصية

تقول هبة إنّ التنمّر لا يطال النساء فقط، بل الرجال أيضًا، لكنها ترى أن وقعه على المرأة غالبًا أعمق:

"المرأة حسّاسة، وعندها هالة حوالَيها وخصوصية بتحب تحافظ عليها… وقت حدا يعطي نفسه الحق يخترق هيدا الشيء، أكيد بيهزها من جوّا."

وتلفت إلى أنّ خطورة التنمّر الإلكتروني تبدأ من تعليق جارح، لكنها قد تتطوّر إلى تهديد بالقتل، أو بالعرض، أو بنشر الصور، أو الملاحقة في الحياة الواقعية، وهنا يصبح تدخل القانون أمرًا مصيريًا لا ترفًا.

 

حلق شعرها في الـ36: تمرّد على معايير الجمال وتصالح مع الذات

من أكثر الخطوات الجريئة التي أقدمت عليها هبة كانت قرارها حلق شعرها بالكامل في عمر الـ36، في خطوة رمزية هزّت متابعيها وأثّرت فيهم بعمق.

تقول إنّها عاشت مراهقتها وجامعتها غير متصالحة مع شكلها، تقارن نفسها دائمًا بمعايير جمال مفروضة في مجلات وصور، تحاول أن تُرضي صورة "البنت الضعيفة، ذات الشعر الطويل، العربية – اللبنانية" التي يحبّها المجتمع.

مع تساقط الشعر (alopecia) وارتدائها "الباروكات" لسنوات، شعرت أنّها تضع "واجهة" لا تشبهها، وتحاول أن تعجب الآخرين أكثر مما تحاول أن تعجب نفسها. بعد انفصالها عن زوجها السابق، بدأت رحلة عميقة للبحث عن ذاتها وصوتها.

 

جاء قرار حلق الشعر كخطوة تحرّر:

"أخذت القرار كرمالي… كرمال طاقتي ترتاح، كرمال أرجع أصير هبة الشفّافة."

تقرّ أن أصعب ما في التجربة لم يكن رأي الناس، بل نظرة ابنها الوحيد رود (13 سنة).

بالنسبة إليه، كما أغلب الأطفال، صورة من يحلق شعره مرتبطة بالمرض. تصفه تلك اللحظة بالصعبة، لكنها تقول إنّ الأطفال يتقبّلوننا أسرع من الكبار:

"الأولاد بحبّونا مثل ما نحن… ما عندن الطبقات اللي ربّينا عليها."

تؤكد أنّه اليوم، رغم صعوبة اللحظة، ستقف مجددًا مع نفسها وتختار ما يريحها، مع وعي أكبر وتأثير أعمق على ابنها.

 

أمّ مطلّقة… بصورة إيجابية لا دفاعية

تتحدّث هبة بصراحة عن تجربة الانفصال والأمومة كأم مطلّقة.

تعترف أن نظرة المجتمع للمرأة المطلّقة ما زالت سلبية، رغم ارتفاع نسب الطلاق، لكنّها ترفض التعامل مع الانفصال كـ"وصمة":

"لما يكون الطلاق بالوقت الصح وبالمحل الصح، ما بيكون نقطة ضعف… بيكون مرحلة وعي وبداية جديدة للسيدة وحتى للرجل."

تعتبر أن الأساس في حماية الأطفال هو:

اتفاق واضح ومحترم بين الأبوين حول كيفية التعامل مع الطفل.

دعم عائلة الطرفين، ومنع خلق مناخ مسموم مليء بالأحكام والكلام السلبي.

المحافظة على قدر من الاستقرار رغم التغيير.

 

تقول إنها تعتبر نفسها محظوظة بوعي عائلتها وزوجها السابق، وتصرّ على تقديم صورة إيجابية عن الأم المطلّقة على السوشال ميديا:

امرأة مستقلة، تحب الحياة، تعرف ماذا تريد، صوتها مسموع، وأم محبة قبل كل شيء.

 

الحبّ من جديد… وشراكة مع نائب وسياسي

تعيش هبة اليوم تجربة ارتباط جديدة مع النائب وضّاح الصادق، الذي تصفه بأنّه:

"من برّا بيبين قاسي، بس هو من جوّا كثير طيّب، محبّ، وصديق وفِيّ."

تقول إنّها تعلّمت منه الكثير، أبرزها:

الرواق والصبر في التعامل مع تفاصيل الحياة اليومية.

الإيمان بالمشروع والاستمرارية:

"هو آمن بقضيته ومشي فيها وبنى شيء متين على المدى الطويل."

تصف علاقتهما بأنها علاقة مسارَين متوازيين، كلٌّ يحتفظ باستقلاليته، يسيران جنبًا إلى جنب، يدعم أحدهما الآخر من دون أن يطغى عليه أو يلغيه. كلاهما شخص مشغول، لديه رسالة ومسؤوليات، ويجمعهما حبّ نمط حياة سريع وفاعل اجتماعيًا.

في مواجهة الأضواء، تؤكد هبة أنّ "السبوت لايت" ليس تنافسًا بينهما:

"نحن شركاء حياة… مش عنوان على الميديا. مننبسط لنجاح بعض وندعم بعض لنكبر سوا."

 

 

 

 

القانون وحقوق المرأة: التطبيق قبل الشعارات

في الشقّ القانوني، تتحدّث هبة عن قوانين المرأة في لبنان بحذر، مؤكدة أنّها لا تدّعي التخصّص في التفاصيل، لكنها تؤمن بأن:

كثيرًا من القوانين تحتاج إلى تعديل.

قوانين جديدة يجب أن تُقرّ.

الأهمّ من النصوص هو تطبيق القوانين الموجودة أصلاً.

القضية الأقرب إلى قلبها هي حقّ المرأة اللبنانية في إعطاء الجنسية لأولادها:

"القانون عم بيقول للأم: برافو عليك ربيتي وكبّرتي وبتحبي ابن لبناني… بس أنتِ مش كافية لتعطيه الجنسية. وهذا شيء مُوجِع."

 

التنمّر السياسي والكومنتات المسيئة… كيف تتعامل اليوم؟

بما أنّ شريكها نائب، ترصد هبة حجم الانتقادات التي تطاله على السوشال ميديا، وبعضها يصل إلى حد التجريح. لكنّها تميّز بوضوح بين:

النقد البنّاء الذي يناقش فكرة أو موقفًا سياسيًا أو اجتماعيًا.

التنمّر اللاذع الذي لا يهدف سوى للإيذاء.

اليوم، لم تعد تعطي التعليقات المسيئة مساحات داخل حياتها وطاقتها:

"طاقتي ما بتتوجّه لشخص فرد أو لبوت حاطط تعليق نابي… ما بسمح له يفوت على داخلي ولا يغيّر محتواي. الوقت أثمن من إنّه ينعطلهم. بس نعم، إذا في قانون بيحاسبهم لما يكونوا أشخاص حقيقيين، لازم يُطبَّق."

 

 

 

حبّ الذات… من السعي إلى الكمال إلى التصالح مع النقص

حين تنظر هبة إلى المرآة اليوم، تقول لنفسها قبل أي شيء:

"يعطيك العافية."

تحكي عن السنوات الخمس الأخيرة كمرحلة استنزاف قاسية لكل اللبنانيين: انهيار اقتصادي، أزمات متلاحقة، وضغوط متراكمة. مجرد البقاء واقفين، نعمل ونربّي عائلاتنا في هذا البلد، هو برأيها إنجاز يستحق التقدير.

كانت سابقًا تسعى للكمال، تقارن نفسها بصورة مثالية غير حقيقية. اليوم، باتت تؤمن أن:

الكمال غير موجود.

حبّ الذات عملية مستمرة، تتطوّر مع العمر والوعي والتجارب.

تقول:

"أنا بتطوّر دائمًا لأحب نفسي أكثر وأتصالح معها."

 

رؤيتها للمستقبل: مجتمع واعٍ يحكي قصّته

ترى هبة نفسها بعد 10 أو 15 سنة جزءًا من مجتمع واعٍ، يحتضن بعضه البعض، ويعيش قيم الشفافية والتعاطف.

تحلم أن تستمر في سرد القصص وإلهام الناس على التغيير الفردي، وأن تساعدهم على تطوير تواصلهم مع أنفسهم ومع الآخرين، كي يتمكّنوا هم أيضًا من سرد قصصهم بطريقة تشبههم.

تؤمن أن تحسين التواصل بيننا، كلبنانيين وكبشر عمومًا، قد يكون بداية حقيقية للتصالح، وتخفيف الأزمات، وتأمين مستقبل أفضل للأولاد.

 

رسالة إلى الصبايا… ورسالة إلى ابنها رود

في نهاية الحوار، توجّه هبة نصيحة إلى كل فتاة تشعر بالضياع أو بعدم الراحة مع نفسها: توقّفي. اكتبي التجربة التي عشتِها. اسألي: ماذا تعلّمت منها؟ وكيف قوّتك وغيرتك عن قبل؟

هكذا، تقول، سنكتشف أنّنا في تطوّر دائم، وأن كل تجربة، مهما كانت قاسية، تحمل معها خطوة إضافية نحو نضج أكبر وقوّة أعمق.

أما إلى ابنها رود، فتوجّه رسالة مؤثّرة، خلاصتها أن الحياة لن تكون دائمًا سهلة أو جميلة، لكنّ كل مرحلة صعبة تنتهي، وأنّ كل تجربة موجعة ستُقرّبه أكثر من نفسه، ومن حلمه، ومن الرجل الذي يريد أن يكونه.

بهذه الصراحة والشفافية، قدّمت هبة دندشلي في "تحدّي الـ15 سؤال" حكاية الحبّ، الحياة، والحرّية… تمامًا كما اختارت أن يكون عنوان كتابها لو دوّنت قصّتها يومًا.