داني كرشي


منذ تأسيسه، بقي لبنان دولة صغيرة بحجمها، كبيرة بتأثير القرارات التي اتخذتها في لحظات مفصلية من تاريخه. وفيما يصرّ كثيرون على أن الأزمات اللبنانية الحالية هي نتاجٌ مباشر لتعقيدات المنطقة، تبدو العودة إلى الماضي وطرح سؤال “ماذا لو؟” محاولةً لفهم الخيارات التي صنعت لبنان اليوم، والفرص الكبرى التي ضاعت في الطريق.

اليوم تفرض جدلية افتراضية نفسها بقوة: كيف كان يمكن أن يكون لبنان لو لم يدخل حرب 1948؟ وكيف كان يمكن أن يصبح لو لحق مبكرًا بمصر والأردن ووقّع اتفاق سلام شبيهًا باتفاق 17 أيار؟

سيناريوهان متناقضان، لكنهما يكشفان حقيقة واحدة: لبنان دفع دائمًا أثمانًا أكبر من قدرته على الاحتمال.

لبنان خارج حرب 1948… اقتصاد مختلف ودولة أخرى

في الأربعينيات لم يكن لبنان قوةً عسكرية، لكنه كان يمتلك مقومات اقتصادية وثقافية قلّما توفرت في بلد صغير: طبقة تجارية ناشطة، نظام مصرفي صاعد، جامعات رائدة، ومرفأ استراتيجي بدأ يتحول إلى نقطة وصل بين أوروبا والمشرق.

لو اختار لبنان يومها الحياد وامتنع عن دخول الحرب، لكان تجنّب موجات اللجوء التي حمّلت اقتصاده فوق طاقته، وتفادى الانجرار إلى صراع طويل أثقل بنيته السياسية والديموغرافية.

بيروت كان يمكن أن تصبح مركزًا ماليًا إقليميًا ثابتًا منذ الخمسينيات، وأن تتحول إلى عاصمة ثقافية عربية بلا الاستقطابات الحادة التي ستتوسع لاحقًا.

سياسيًا، كان لبنان سيوفّر على نفسه عقودًا من الانقسام حول الموقف من الصراع العربي–الإسرائيلي، ويتجنب بروز قوى مسلحة خارج الدولة، وربما يرسخ مبكرًا نموذج الدولة المدنية قبل أن تتضخم العصبيات.

أما اجتماعيًا، فكان يمكن للبنان أن يحافظ على نسيجه المتعدد دون تشققات عميقة، وربما لم تكن الحرب الأهلية لتجد بيئة خصبة كي تنفجر.

بمعنى آخر، كان لبنان مرشحًا ليصبح “سنغافورة الشرق” بصورة مبكرة وأكثر استقرارًا.

السلام المبكر… هل كان ليمنح لبنان استقرارًا؟

بعد الهزائم العربية الكبرى، وقّعت مصر اتفاق كامب ديفيد عام 1978، ثم لحقتها الأردن عام 1994. لبنان، ورغم توقيعه اتفاق 17 أيار عام 1983، عاد وأسقطه تحت ضغط الداخل والخارج.

لكن ماذا لو اختار لبنان هذا الطريق قبل ذلك؟ أو ماذا لو صمد الاتفاق؟

اقتصاديًا، كان السلام سيمنح لبنان فرصة نادرة لإعادة البناء. الحدود الجنوبية كانت ستتحول إلى منطقة اقتصادية وسلمية، والاستثمارات الغربية والخليجية كانت ستتدفق بوتيرة أكبر في قطاعات التكنولوجيا والسياحة والخدمات. كان يمكن للبنان أن يخرج من دائرة إعادة الإعمار الدائمة.

سياسيًا، كان اتفاق سلام مبكر سيعزّز دور الجيش ويضعف منطق الميليشيات، لكنه كان سيثير أيضًا انقسامًا داخليًا حادًا في بلد يعرّف جزء من قوته السياسية نفسه من خلال موقعه في الصراع.
لبنان كان سيقترب من نموذج الدولة المستقرة على الطريقة الأردنية… أو يدخل في مواجهة داخلية مشابهة لمرحلة إسقاط 17 أيار.

اجتماعيًا، كان السلام سيطرح سؤال الهوية: هل لبنان دولة عربية منغمرة في صراعات الإقليم؟ أم دولة صغيرة محايدة تبحث عن الازدهار؟
كان الجواب صعبًا، لكنه كان سيعيد تعريف دور لبنان في المنطقة.

لبنان المنتج… الطاقة والمياه والغاز: فرصة كانت ممكنة

من أهم الفرص التي كان يمكن أن يقتنصها لبنان لو دخل مبكرًا في مسار السلام، تلك المتعلقة بقطاعَي الطاقة والمياه.

فمع حدود مستقرة وغياب النزاعات، كان لبنان قادرًا على أن يتحول إلى ممرّ حيوي للمياه والطاقة بين شرق المتوسط والخليج، وينخرط في مشاريع إقليمية كان يمكن أن تغيّر اقتصاده بالكامل.
موقعه الجغرافي يسمح له بأن يكون نقطة وصل طبيعية في شبكات نقل المياه والكهرباء، وأن يستفيد من موارده المائية بشكل آمن.

أما في شرق المتوسط، فكان يمكن للبنان أن يصبح لاعبًا أساسيًا في خريطة الغاز الناشئة، وأن يطوّر حقوله البحرية من دون عراقيل أو تهديدات.
كان بالإمكان بناء بنية تحتية للطاقة تشمل: استثمار الغاز البحري، إنتاج الكهرباء وتصديرها، إنشاء محطات تخزين وتسييل، وتحويل مرافئه إلى مراكز توزيع.

بذلك، كان لبنان سيتحول من بلد يعيش في العتمة منذ عقود، إلى دولة منتجة للطاقة وربما مصدّرة للغاز، ويستفيد من موارده بدل أن تبقى رهينة النزاعات.

بلد ضيّع فرصًا أكبر من حجمه

بين هذين المسارين، تتضح الحقيقة: لبنان كان دائمًا يمتلك فرصة ليكون بلدًا أفضل، أكثر استقرارًا وازدهارًا.
لكنه اختار – أو اضطر إلى اختيار – طريق الصراعات والانقسام والتجاذبات الإقليمية.

عدم دخوله حرب 1948 كان سيمنحه استقرارًا اقتصاديًا مبكرًا.
وتوقيع سلام مبكر كان سيفتح أمامه أبواب الطاقة والمياه والغاز، وربما كان سيؤسس لنهضة طويلة الأمد.

لكن ذلك لم يحدث، فبقي لبنان عالقًا بين هويات متصارعة وحدود ملتهبة وموارد مهدورة.

تاريخ غير قدريّ

التاريخ ليس قدرًا، بل مجموع خيارات. ولو اتخذ لبنان خيارات مختلفة في لحظات معينة، ربما كان اليوم بلدًا مزدهرًا ومستقرًا، وربما دولة طاقة في شرق المتوسط.

لكن ما حصل حصل. وما بين الواقع والممكن يبقى الدرس الأهم:
الدول الصغيرة لا تملك ترف الانخراط في صراعات أكبر من حجمها، ولا رفاهية التفريط بفرص الاستقرار حين تُتاح لها.


المصدر : Transparency News