في المرحلة الأخيرة، صدرت قرارات متتالية قضت بسحب عدد واسع من الصلاحيات التي كانت تمارسها البلديات، ولا سيما تلك المرتبطة بإعطاء تراخيص بسيطة تتعلق بالشرفات، الخيام، وبعض المعاملات اليومية التي تمسّ مباشرة علاقة المواطن بالمجلس البلدي المنتخب.


هذه القرارات لم تأتِ في سياق إداري أو تنظيمي بريء، بل تحمل في طياتها أبعاداً سياسية واضحة.

وبحسب مراقبين، فإن توقيت سحب هذه الصلاحيات يكشف الهدف الحقيقي منها، والمتمثل في إعادة ربط الخدمات العامة بشبكات النفوذ السياسي، عبر النواب والقيادات الحزبية التابعة لأحزاب المنظومة الحاكمة، بحيث تمرّ حاجات المواطنين مجدداً عبر مكاتب هؤلاء، لا عبر البلديات التي يفترض أنها السلطة المحلية المنتخبة والمسؤولة مباشرة أمام الناس.

وتشير الأوساط نفسها إلى أن ما يجري هو عملية ممنهجة لإعادة إحياء نظام الزبائنية السياسية، عبر استخدام الرخص والخدمات اليومية كأدوات ضغط وابتزاز انتخابي، تُقدَّم للمواطن مقابل الولاء السياسي وصندوق الاقتراع، في محاولة فاضحة لضمان استمرار السيطرة الشعبية للأحزاب النافذة.

فعملياً، فإن تجريد البلديات من صلاحياتها لا يهدف إلى تحسين الإدارة أو مكافحة الفساد كما يُروَّج، بل إلى إفراغ المجالس البلدية من دورها، وتحويلها إلى هياكل شكلية، في مقابل تضخيم دور الوسطاء السياسيين الذين يتاجرون بحقوق الناس وحاجاتهم الأساسية.

ويرى متابعون أن ما يحصل يشكّل سابقة خطيرة، ويُعدّ بلطجة سياسية موصوفة بحق الحكم المحلي، ومحاولة مكشوفة لإخضاع الرأي العام وشراء الذمم قبيل الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، عبر إعادة الناس قسراً إلى منطق “الخدمة مقابل الصوت”، بدل الاحتكام إلى المؤسسات المنتخبة والمساءلة الديمقراطية.

ويخلص هؤلاء إلى أن هذه الممارسات تؤكد مرة جديدة أن المنظومة الحاكمة لا تزال تعتبر المواطن سلعة انتخابية، والخدمات العامة ملكاً خاصاً تُستخدم لتكريس النفوذ، لا حقاً طبيعياً يُفترض أن يحصل عليه المواطن من مؤسسات دولته.


المصدر : Transparency News