وجد لبنان نفسه مجددًا في قلب تداعيات إقليمية ودولية حساسة، على خلفية الاعتداء الذي وقع في مدينة سيدني الأسترالية، وسط محاولات لزجّ اسمه في سياقات أمنية وسياسية تتجاوز حدوده. وبين نفي أي صلة له بالحادث، وتأكيد التزامه المبدئي بمكافحة التطرف وإدانة استهداف المدنيين أينما وجدوا، تتقاطع التطورات الخارجية مع مشهد داخلي مأزوم يتّسم بتصاعد التوتر السياسي والعسكري، في ظل استمرار الجدل حول سلاح “حزب الله” ومخاطر انزلاق البلاد نحو مواجهة مفتوحة.


لم يكن لبنان في وارد تحمّل أي شبهة تربطه بالاعتداء الذي شهدته مدينة سيدني الأسترالية أمس، سواء لناحية ما جرى تداوله إعلاميًا حول هوية أحد المنفذين، أو عبر محاولات ربط الهجوم بسيناريو “ثأري” تقوده إيران ردًا على اغتيال إسرائيل رئيس أركان “حزب الله” هيثم طبطبائي الشهر الماضي في الضاحية الجنوبية لبيروت.

وفي هذا الإطار، تزامن التواصل الأمني بين السلطات اللبنانية والأسترالية مع موقف واضح لرئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، الذي أدان الاعتداء بشدة، مؤكدًا أن “إدانة استهداف أي مدني بريء، سواء في غزة أو جنوب لبنان أو أي بقعة في العالم، هي موقف مبدئي وأخلاقي ثابت”، مشددًا على أن لبنان “كان وسيبقى في طليعة الدول التي تحارب التطرف وتحتضن الاعتدال والعدالة والسلام”.

قاسم وإنكار الواقع والتمسك بالسلاح

على الصعيد الداخلي، يعيش الأمين العام لـ “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم حالة من الإنكار السياسي ورفض الالتزام بالقرار الرسمي القاضي بحصر السلاح بيد الدولة، ما يرفع منسوب القلق من تجدد المواجهة العسكرية وتوسّع رقعة الحرب.

وفي هذا السياق، اعتبر مصدر سياسي رفيع المستوى في حديث لـ “نداء الوطن” أن خطاب قاسم الأخير لا يمكن فصله عن سياق رفع السقوف القصوى في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تتداخل الحسابات الداخلية مع الرسائل الموجهة إلى الخارج، ويُعاد توظيف الساحة اللبنانية كورقة ضغط في مفاوضات إقليمية أوسع.

وأشار المصدر إلى أن الإصرار على معادلة “السلاح أو الحرب” لا يعكس موقع قوة بقدر ما يفضح مأزقًا سياسيًا عميقًا، إذ إن تكريس السلاح كأمر واقع فوق الدولة يعطّل أي أفق لقيام دولة فعلية، ويحمّل اللبنانيين كلفة خيارات لم يكونوا شركاء في اتخاذها.

وأضاف أن تصوير الدولة على أنها الطرف الذي يقدّم التنازلات يتجاهل حقيقة أنها الحلقة الأضعف، وأنها تدفع منذ سنوات ثمن ازدواجية القرارين الأمني والعسكري. كما أن تحميل الدولة مسؤولية السيادة مع حرمانها من أدواتها، ليس سوى إعادة إنتاج المعادلة نفسها التي قادت إلى الانهيار والعزلة والدمار.

ولفت المصدر إلى أن المجتمع الدولي، مهما قيل عن خروقات إسرائيل، يرى أن جوهر الأزمة يتمثل في استمرار وجود سلاح خارج إطار الدولة، معتبرًا أن استحضار سيناريوات وجودية، من تهديد الكيان اللبناني إلى مصير الأقليات، يدخل في خانة التخويف السياسي المستهلك، ولم يعد يقنع شريحة واسعة من اللبنانيين الذين خبروا نتائج هذه السياسات.

وأوضح أن المقارنات بسوريا والتلويح بمشاريع ضم أو دمج تُستخدم لتبرير بقاء الأمر الواقع، في حين أن الخطر الحقيقي على لبنان يكمن في استمراره كساحة صراع مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.

وأكد المصدر أن ربط أي نقاش حول حصرية السلاح بإملاءات أميركية أو إسرائيلية هو تجاهل متعمد لمطلب داخلي لبناني واسع، يرى في قيام دولة واحدة بسلاح واحد المدخل الوحيد لإنقاذ البلاد من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، ووضع حد لرهان الحرب الذي يقرّره طرف واحد.

وخلص إلى أن رفع قاسم سقف الخطاب إلى حدّه الأقصى لا يستهدف تغيير الوقائع الداخلية بقدر ما يهدف إلى توجيه رسالة للخارج، وخصوصًا إلى واشنطن، مفادها أن أي تسوية في لبنان لا يمكن أن تتم من دون “حزب الله”، في محاولة لدفع الولايات المتحدة نحو فتح مسار تفاوض مباشر مع إيران والحزب، ولو على حساب إبقاء لبنان معلّقًا بين الحرب والهدنة، وبين الدولة واللادولة، ريثما تتضح معالم التسويات الإقليمية الكبرى.

المسار العسكري والتفاوضي

ميدانيًا، أشار مصدر رسمي لـ “نداء الوطن” إلى أن تكثيف الغارات الإسرائيلية خلال الساعات الماضية يندرج في إطار السياسة المعتمدة تجاه لبنان، والهادفة إلى ضرب منظومة “حزب الله” الصاروخية وقدراته العسكرية، ما ينذر بإمكانية تصعيد إضافي في المرحلة المقبلة.

وفي هذا السياق، أعلن الجيش اللبناني أنه، وبالتنسيق مع لجنة الإشراف على اتفاق وقف الأعمال العدائية “الميكانيزم”، أجرى عملية تفتيش دقيقة لأحد المباني في بلدة يانوح بموافقة مالكه، وتبيّن خلوه من أي أسلحة أو ذخائر، مشيدًا بثقة الأهالي وتعاونهم مع المؤسسة العسكرية.

في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي اغتيال ثلاثة من عناصر “حزب الله”، بينهم قيادي يُدعى زكريا يحيى الحاج، مدعيًا أن الحزب خرق التفاهمات مع لبنان أكثر من 1900 مرة، ومشيرًا إلى مقتل نحو 40 مسلحًا منذ مطلع تشرين الأول في جنوب لبنان.

ولايتي: دعم ثابت لحزب الله

وفي طهران، أكد مستشار قائد الثورة الإيرانية للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي، خلال لقائه ممثل “حزب الله” عبد الله صفي الدين، أن إيران ستواصل دعم الحزب “بحزم”، معتبرًا أنه يقف في “الخطوط الأمامية للمقاومة”، بحسب وكالة “مهر”. من جهته، شدد صفي الدين على أن “الكيان الصهيوني وداعميه يجب أن يدركوا أن حزب الله، عندما يقرر، سيردّ بقوة وحزم”.


المصدر : نداء الوطن