يتسارع مسار الدفع باتجاه إقرار مشروع "قانون الفجوة المالية"، أو ما يُعرف بقانون "إعادة الانتظام المالي"، بتأثير مباشر من رئيس الحكومة نواف سلام، وبتنسيق واضح مع قوى تغييرية وجهات مرتبطة بصندوق النقد الدولي، في محاولة لتمريره قبل نهاية العام الجاري، إذ يجري هذا المسار في ظل نقاشات لا تزال محصورة في إطار "العصف الفكري"، دون أن ترتقي إلى مستوى الحسم أو التوافق الوطني، وذلك استجابة لضغوط خارجية متزايدة، ومن دون ربط المشروع بخطة تعاف اقتصادي شاملة تُشكّل الإطار الطبيعي لأي تشريع من هذا الحجم والخطورة.


فالقانون، بصيغته المتداولة، يُطرح بمعزل عن رؤية اقتصاديّة متكاملة، ويغيب عنه التحديد الواضح لكيفيّة توزيع الخسائر بين الأطراف الثلاثة المعنيّة بالأزمة: الدولة، والقطاع المصرفي، ومصرف لبنان، وهو ما يُثير مخاوف جدّية من تحوّله إلى أداة تشريعيّة يقضي على أموال المودعين.

تشير مصادر متابعة للملف إلى أنّ المقاربة التي يعتمدها كل من رئيس الحكومة ووزير الاقتصاد عامر البساط تنطوي على محاولة سياسيّة عالية المخاطر، تهدف عملياً إلى إعفاء الدولة من الجزء الأكبر من مسؤولياتها، وتحميل المصارف والمودعين العبء الأساسي للخسائر، وبالتالي يتم تمرير هذا التوجّه تحت عناوين عامة وشعارات جذّابة، لا تصمد أمام قراءة قانونية ومالية دقيقة، في وقت تراقب فيه الجهات الدولية مدى التزام لبنان بتحمّل التزاماته السيادية، لا سيما في ما يتعلّق بالديون والحقوق الماليّة.

وفي هذا الإطار، يُروَّج لخطاب مفاده بأنّ الدولة ستتحمّل مسؤوليتها من خلال إصدار سندات، فيما تتحمّل المصارف القسم الأكبر من الخسائر، غير أنّ المصادر نفسها ترى في هذا الطرح آلية غير مباشرة للمساس بودائع المودعين، عبر تحميل المصارف أعباء تفوق قدرتها الفعلية، ما يؤدي في النهاية إلى تطيير أموالهم.

كما تلفت إلى أنّ بعض القوى التغييرية قد تتّخذ موقفاً صاخباً ضدّ المصارف بعد هذا القرار، في محاولة لإظهار الانحياز للمودعين، غير أنّ هذا السلوك، وفق هذه القراءة، لا يخرج عن كونه استثماراً سياسياً مبكراً لخوض الاستحقاق النيابي المقبل بأرتياح، أكثر منه دفاعاً جدياً عن الحقوق المالية.

وتُذكّر المصادر بأنّ جمعية المصارف كانت قد أعلنت، في بيان حديث، تحمّل الدولة والمصارف معاً مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، معتبرةً أنّ الحل الواقعي لا يمكن أن يقوم على شطب طرف كامل من المعادلة، إنّما على توزيع عادل للخسائر، يبدأ بتحمّل الدولة جزءاً فعلياً منها عبر "الكاش" وليس السندات، أو سواء عبر إدارة أفضل لأصولها، أو من خلال استخدام جزء محدود من احتياطي الذهب، يُقدَّر بنحو الربع، بما يؤمّن قرابة ستة مليارات دولار، ويساهم في تخفيف حدّة الأزمة، ويتيح للمصارف المشاركة في الحل، بدل دفعها إلى الإفلاس الكامل، ويمنح المودعين عندها فرصة فعلية لاستعادة جزء من أموالهم.

وتكمن خطورة المسار الحالي بحسب المصادر ذاتها في أنّ نجاحه سيُفضي إلى إضعاف كامل للقطاع المصرفي، ما قد يُعيد إحياء طرح النائب جميل السيّد الداعي إلى تقليص عدد المصارف إلى حدّ أدنى، كما سبق أن طُرح إنشاء خمسة مصارف فقط، وهو ما يعني عملياً إعادة هيكلة قسرية للنظام المصرفي بكلفة اقتصادية واجتماعية باهظة، وبتداعيات طويلة الأمد على الاقتصاد الوطني.

ومن الضروري التشديد بحسب المصادر ذاتها على أنّ الأزمة التي يعيشها لبنان اليوم ليست أزمة مصرفية محصورة، ولا يمكن اختزالها بفشل بالمصارف، إنّما أزمة مالية نظاميّة شاملة، ناتجة عن تراكم سياسات عامة خاطئة، وسوء إدارة مصرف لبنان السابق، والانهيار الواسع في منظومة الحوكمة والشفافية.

ففي جوهر هذه الأزمة عوامل بنيوية عميقة، أبرزها غياب الاستقرار السياسي لعقود، والعجز المزمن في المالية العامة، وتراكم دين عام غير قابل للاستدامة، فضلًا عن سياسات نقدية خاطئة، وفي مقدّمها تثبيت سعر الصرف لفترة طويلة، وفشل الحكومات المتعاقبة في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية المطلوبة، وصولاً إلى التعثّر في سداد سندات اليوروبوندز.

ومن هنا يطرح السؤال الجوهري نفسه، كيف يُمكن لدولة كانت شريكاً أساسياً في صناعة الانهيار أن تتصرّف اليوم كأنّها طرف محايد، فيما يُطلب من المصارف والمودعين وحدهم تحمّل كلفة الانهيار؟


المصدر : سارة بعقليني - al kalima online