كتلتان في المجلس النيابي: لا حلول وسط ولا مناطق رمادية
18-12-2025 06:58 PM GMT+02:00
الأولى كتلة سيادية تؤمن بلبنان الدولة، بالدستور، وبالمؤسسات، وتسعى إلى تصويب العمل البرلماني وإعادة الاعتبار للشرعية الدستورية. أما الثانية، فهي كتلة واحدة متماسكة في السلوك والقرار، تتمحور عمليًا حول نبيه بري، ويمكن تسميتها من دون تردد: كتلة المنظومة.
هذه الكتلة لا تقوم على مشروع وطني ولا على رؤية إصلاحية، بل على شبكة مصالح وصفقات ومحاصصات وفساد متبادل. تحت سقفها تصطف كتل «التنمية والتحرير»، و«الوفاء للمقاومة»، و«اللقاء الديمقراطي»، و«التيار الوطني الحر»، و«الاعتدال الوطني». عناوين سياسية مختلفة، لكنها تلتقي عند لحظة القرار: الحضور وفق إشارة بري، والمقاطعة وفق رغبته، والتصويت على إيقاع صافّرته. البرلمان، في هذا السياق، لم يعد سلطة تشريعية مستقلة، بل غرفة إدارة مصالح ومنصة لتدوير الانهيار.
الجلسة الأخيرة شكّلت دليلًا إضافيًا على هذا الانقسام. فالكتل التي حضرت في هذه الظروف الاستثنائية لم تمارس فعلًا ديمقراطيًا، بل منحت غطاءً سياسيًا لمسار يضرب جوهر الحياة البرلمانية. حضورها شكّل عمليًا كتل نبيه بري، لأنها تجاهلت المطلب الأوضح والأكثر إلحاحًا: انتخابات ديمقراطية حقيقية، جامعة، وبمشاركة جميع اللبنانيين من دون استنسابية أو معايير مزدوجة. من شارك اليوم، أسّس لسوابق خطيرة، وكرّس ازدواجية المعايير، وساهم في تطبيع إدارة البرلمان بالقوة السياسية لا بالدستور.
في المقابل، برزت بوضوح كتل المقاطعة السيادية، وهي ليست كتل تعطيل كما يحاول البعض تصويرها، بل كتل اعتراض وتصويب. تضم هذه الجبهة «القوات اللبنانية»، و«الكتائب اللبنانية»، ونواب «تجدد»، وشخصيات مستقلة أبرزها النائب فؤاد مخزومي وآخرون. هؤلاء لم يقاطعوا من باب الاستعراض، بل انطلاقًا من قناعة سياسية مفادها أن المشاركة في جلسة تُدار بشروط مختلّة تعني شرعنة الانحراف لا إصلاحه.
الفرق بين الفريقين جوهري. المقاطعون يرفضون تحويل البرلمان إلى ملحق بمكتب رئيسه، ويؤمنون بأن تصويب العمل البرلماني يبدأ من رفض الخضوع للأمر الواقع، ولو كلّف ذلك مواجهة مفتوحة. أما المشاركون، مهما حاولوا التلطّي بخطاب إصلاحي أو معارض، فقد اختاروا المسار الأسهل: السير تحت السقف الذي رسمه نبيه بري، وتبرير ذلك بخطاب رمادي ملتبس.
الأخطر أن بعض هذه الكتل يقدّم نفسه كمعارضة، يرفع سقف الشعارات، ويتحدث عن إصلاح وتغيير، لكنه عند الامتحان الحقيقي يعود ويسير على صافرة بري. هذه ليست معارضة، بل ازدواجية سياسية فاضحة: معارضة في الإعلام، ومنظومة في البرلمان.
اليوم، لم تعد المعركة بين أكثرية وأقلية، ولا بين موالاة ومعارضة تقليدية. المعركة باتت واضحة: مشروع دولة في مواجهة مشروع منظومة. إما برلمان يعكس إرادة الناس ويصوّب المسار الدستوري، أو برلمان يُستخدم لإدارة الصفقات وحماية النفوذ. في هذه اللحظة المفصلية، لا مكان للرمادي، ولا قيمة للصمت. فإما سيادة فعلية، أو خضوع مقنّع، وكل ما عدا ذلك ليس سوى محاولة فاشلة لتجميل واقع لم يعد قابلاً للتجميل.
المصدر : Transparency News








