داني كرشي


لبنان، الذي لم يتعافَ بعد من الانهيار المالي في عام 2019، يواجه اليوم تهديدًا أشدّ خطورة، قد يعيد إنتاج الأزمة على نطاق أوسع وأكثر استدامة. ما يُعرف بـ«مشروع الفجوة المالية» يهدف، بحسب مصادر مطّلعة، إلى تحميل القطاع المصرفي وحده أعباء الخسائر المالية الضخمة، وتحويل الدولة اللبنانية إلى طرف محايد بالكامل، في خطوة قد تدفع البلاد إلى أسوأ فقر يشهده تاريخها الحديث.

المشروع الذي يُناقَش في الكواليس السياسية والمالية يقترح تجميد مواد قانونية أساسية، أبرزها القانون 113، ما يسمح بتمرير خطة مالية صادمة قد تؤدي إلى إقفال عدد كبير من المصارف وفقدان الثقة بالنظام المالي نهائيًا. وفي قلب هذا الملف، يقف المسؤولون اللبنانيون أمام اختبار تاريخي: إما حماية الاقتصاد والمواطنين، أو قبول تحميلهم عبء الانهيار.

رئيس الحكومة نواف سلام يتحمّل المسؤولية السياسية المباشرة إذا تم تمرير المشروع الذي يعزل الدولة عن تحمّل أي خسائر مالية، فيما يُنظر إلى عامر البساط، الوزير والمسؤول التقني، على أنه المسؤول عن تقديم سيناريوهات أحادية الجانب تُحمّل المصارف وحدها أعباء الأزمة. كما يقع على عاتق ياسين جابر، النائب وعضو اللجان التشريعية، مسؤولية تشريعية مباشرة في حال التصويت على تجميد المواد القانونية من دون حماية اجتماعية حقيقية. أمّا كريم سعيد، من مصرف لبنان، فيتحمّل مسؤولية نقدية ومالية عن السياسات التي تراكمت وأدّت إلى الأزمة، وفشله في إدارة الخسائر منذ البداية.

على الرغم من كل ذلك، لا يمكن تجاهل دور البنك الدولي والمؤسسات المالية الدولية، التي تتعامل مع لبنان ببرود الأرقام لا بالمصلحة الاجتماعية. هدفهم الرئيسي هو تصفير ديون الدولة وتحميل المصارف أعباء الفجوة المالية، لإغلاق الملف بأقل كلفة على المانحين، بغضّ النظر عن الخسائر التي ستقع على المواطنين أو القطاع المصرفي. هذا النهج قد يؤدي إلى إعادة تشكيل القطاع المالي وفق مصالح سياسية داخلية أو إقليمية، مع مصارف أصغر وأكثر خضوعًا للسلطة، واقتصاد هشّ بلا استثمارات حقيقية.

إذا تم تمرير المشروع بهذا الشكل، فإن مستقبل اللبنانيين على المحك. معظم المصارف ستنهار، وستتوقف خدماتها الأساسية، وسيصبح الوصول إلى الودائع محدودًا أو مشروطًا، خصوصًا للمودعين المتوسّطين والكبار، ما يحوّل الاقتصاد إلى سوق نقدية صغيرة هشّة بلا فرص للنمو أو الاستثمار. الخطر ليس لحظيًا فقط، بل يهدّد لبنان لعقود قادمة، ليصبح من أفقر دول العالم بشكل مستدام، ما لم تتدخّل الدولة بقرار وطني يحمي المواطنين والقطاع المصرفي معًا.

ما يُطرح اليوم ليس مجرد خطة إصلاح مالي، بل خيار سياسي–مالي حاسم: إمّا حماية الاقتصاد والمواطنين عبر توزيع الخسائر بعدالة وشفافية، أو تمرير خطة تفرض عبء الأزمة على القطاع الخاص والمودعين، بينما تتجنّب الدولة والمصارف الكبرى تحمّل أي مسؤولية فعلية. إذا استمر المسار الحالي، فإن لبنان لن يكون فقط مفلسًا، بل مدانًا بعقود من الفقر المدقع وانهيار شامل للقطاعين المالي والاجتماعي.

هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" ) 


المصدر : Transparency News