الشرق الأوسط بين المثلث القديم ومنع الصعود العربي المتعمد
22-12-2025 10:47 AM GMT+02:00
منذ ثمانينيات القرن الماضي، بدا الشرق الأوسط وكأنه محكوم ببنية غير مكتوبة، لكنها ثابتة: مثلث إقليمي غير عربي يتكوّن من إسرائيل وتركيا وإيران، تتقاطع أضلاعه فوق الجغرافيا العربية، وتُدار من خلاله الأزمات بحيث تبقى داخل الإطار العربي، من دون أن تتحول إلى مشروع صراع إقليمي شامل يعيد تعريف موازين القوة.
لم يكن هذا المثلث وليد الصدفة، بل نتاج ترتيب دولي طويل الأمد. إسرائيل شكّلت قاعدة أمنية متقدمة، تركيا مثّلت بوابة مزدوجة بين الغرب والعالم الإسلامي، فيما تحولت إيران – بعد سقوط الشاه – من حليف غربي مباشر إلى أداة فوضى مضبوطة، تؤدي دوراً تغييرياً مستمراً ولكن قابلاً للضبط والعقاب عند الحاجة.
على مدى عقود، حاولت بعض الدول العربية أن تملأ موقع “الضلع الثالث” في هذا المثلث، إلا أن هذه المحاولات فشلت تباعاً، ليس بسبب ضعف تلك الدول، بل لأن القوى الكبرى لم تكن مستعدة لقبول دولة عربية مركزية مستقلة تعيد تعريف الأمن الإقليمي من منظور عربي، أو تربط بين الاستقرار والتنمية والسيادة السياسية. كان الخيار المفضّل دائماً هو الإبقاء على إيران كضلع “أعوج” لكنه مضمون، يستهلك المنطقة ويمنع تبلور قوة عربية جامعة.
اليوم، تبدو المعادلة أمام اختبار جديد. في مرحلة ترامب، لم يعد المنطق هو إدارة التوازنات بقدر ما أصبح تفكيكها وإعادة تركيبها وفق صفقات مباشرة. إيران باتت عبئاً أكثر منها أداة، وتركيا تظهر كقوة متمرّدة تُحاصر تدريجياً في شرق المتوسط، بينما تُدفع إسرائيل إلى موقع الشريك الإقليمي العلني، لا مجرد القاعدة المتقدمة الصامتة.
في هذا السياق، تبرز إمكانية – لا ضمانة – لأن تلعب دولة عربية دوراً قيادياً جديداً في الشرق الأوسط، بالشراكة مع إسرائيل، وبدعم غربي واضح. لكن هذه الإمكانية مشروطة بثمن سياسي وأخلاقي مرتفع: قبول دور وظيفي في ضبط الإقليم، لا قيادته تحررياً، والانتقال من خطاب السيادة إلى خطاب الاستقرار، ومن منطق القضايا الكبرى إلى منطق الإدارة.
السؤال الحقيقي ليس: هل يمكن لدولة عربية أن تصبح الضلع الثالث؟
بل: أي نوع من الأضلاع نريد أن نكون؟
إذا كان المطلوب مجرد استبدال إيران بلاعب عربي يؤدي الدور نفسه بلغة مختلفة، فإن النتيجة لن تكون تحولاً تاريخياً، بل إعادة إنتاج للهيمنة بأدوات أكثر نعومة. أما إذا كان الطموح هو كسر منطق المثلث نفسه، وبناء تصور إقليمي قائم على الشراكة العادلة والتنمية والسيادة المعرفية والسياسية، فذلك يتطلب ما هو أكثر من صفقة أو لحظة دولية عابرة.
الشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق طرق:
إما إعادة تدوير النظام القديم بأسماء جديدة،
أو فتح معركة هادئة وطويلة لإعادة تعريف من يقود، ولماذا، وبأي مشروع.
والفارق بين الخيارين… ليس في القوة، بل في الرؤية.
المصدر : Transparency News








