نشر الشيخ بهاء رفيق الحريري على منصة «إكس» موقفًا سياسيًا شاملًا أكد فيه أن رؤيته لإنقاذ لبنان تنطلق من قناعة حاسمة لا تحتمل التأويل: فلبنان لن يُنقذ عبر إدارة الانهيار، ولا من خلال إعادة إنتاج المنظومة نفسها، ولا عبر تسويات ظرفية تُعقد فوق أنقاض الدولة.


إن الإنقاذ الحقيقي، بحسب الحريري، يتطلّب خيارًا وطنيًا سياديًا واضحًا يقوم على إطلاق مشروع وطني جديد يعيد بناء الدولة من أساسها، دولة سيّدة وقادرة وعادلة، تُحكم بالمؤسسات والقانون، لا بالأمر الواقع ولا بسياسات المحاور.

وأشار إلى أن مواقفه وبياناته السابقة شكّلت الإطار الثابت لهذه الرؤية، التي تضع مصلحة لبنان فوق كل اعتبار، وتربط استعادة القرار الوطني المستقل بإعادة الاعتبار للدستور والمؤسسات، وبترسيخ الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، من خلال التطبيق الكامل لاتفاق الطائف بجميع مندرجاته وبنوده، باعتباره شرطًا مسبقًا لعودة الثقة الداخلية والدولية، ولإعادة لبنان إلى موقعه الطبيعي دولةً فاعلة لا ساحةً مستباحة.

وأكد الحريري أن لبنان بلغ مرحلة الخطر الوجودي الشامل، حيث لم يعد التهديد محصورًا بالانهيار الاقتصادي أو الإفلاس المالي أو التفكك الاجتماعي، بل تحوّل إلى خطر سياسي سيادي يهدد الكيان اللبناني نفسه، وهويته ودوره ومستقبله. واعتبر أن ما يشهده لبنان اليوم هو نتيجة مباشرة لفشل كامل وممنهج للمنظومة الحاكمة، التي أثبتت عجزها عن إدارة الدولة، وخضوعها لمصالح ضيقة، وارتهانها لمحاور خارجية على حساب المصلحة الوطنية العليا.

وأضاف أن هذه المنظومة سقطت سياسيًا وأخلاقيًا ووظيفيًا، لأنها لم تحمِ الدولة، ولم تبنِ مؤسسات، ولم تصن الدستور، ولم تحترم إرادة اللبنانيين، بل أوصلت البلاد إلى الانهيار، ثم راحت تبحث عن تسويات مشبوهة لتغطية فشلها بدل محاسبة نفسها. والأخطر، برأيه، أنها لا تكتفي بالعجز، بل تدفع لبنان عمدًا نحو إعادة تموضع استراتيجي خطير، عبر محاولة إخراجه من محيطه الطبيعي العربي والدولي، وزجّه في محاور مرفوضة من غالبية اللبنانيين، بعد سنوات من الاستنزاف داخل المحور الإيراني تحت شعارات ثبت زيفها وكلفتها الكارثية.

وحذّر من محاولات تمرير سياسات مصيرية من دون تفويض شعبي أو وطني، سواء عبر فتح مسارات تفاوض أمني أو سياسي أو اقتصادي مباشر أو غير مباشر مع العدو الإسرائيلي، أو عبر إعادة هندسة موقع لبنان الإقليمي، في ظل دولة منهارة، ومؤسسات مشلولة، وبرلمان فاقد للثقة، وحكومة عاجزة عن تأمين أبسط حقوق المواطنين. وشدد على أن هذا ليس قرار دولة، بل تصرّف منظومة مأزومة تبحث عن شرعية بديلة.

وفي ما يتعلق بمسألة السلام، أكد الحريري أن الإيمان بمنطق السلام هو إيمان استراتيجي نابع من مصلحة لبنان والمنطقة، لكنه شدد على رفض أي سلام شكلي أو مفروض تحت الضغط أو الابتزاز أو اختلال موازين القوى. فالسلام الذي يؤمن به هو سلام عادل ومتوازن وغير قسري، لا يُفرض على لبنان ولا على شعوب المنطقة كأمر واقع، ولا يُستخدم غطاءً لتكريس اختلالات سياسية أو انتقاص من الحقوق السيادية والوطنية.

وأوضح أن هذا السلام يجب أن يُبنى بالتنسيق والتكامل الكامل مع الأشقاء في المنطقة والعالم العربي، وفي مقدّمهم تركيا، ودول مجلس التعاون الخليجي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، إضافة إلى سوريا والأردن والعراق، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الاستقرار الإقليمي لا يتجزأ، ولا يمكن لأي دولة أن تحقق أمنها أو ازدهارها بمعزل عن محيطها الطبيعي.

وأكد رفض منطق السلام القائم على القوّة القاهرة أو فرض الوقائع بالقسر، معتبرًا أن السلام الحقيقي لا يتحقق إلا بإحقاق الحق، واحترام السيادة، ومعالجة جذور النزاعات، لا عبر إدارتها أو تجميدها مؤقتًا. وهو سلام يفتح الباب أمام إنهاء دوامات الصراع، ويضع المنطقة على سكة التطور والتحديث والتنمية المستدامة، كما فعلت دول عديدة سبقت غيرها بفضل الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي مكّنها من الاستثمار في الإنسان والمؤسسات والمستقبل.

وشدد على أن أي مقاربة لبنانية لمسألة السلام يجب أن تكون جزءًا من رؤية سياسية شاملة، لا صفقة ظرفية ولا مسارًا منفردًا ولا نتيجة ضغوط، بل خيارًا سياديًا محسوبًا يهدف إلى حماية لبنان وتثبيت استقراره وتمكينه من لعب دوره الطبيعي في محيطه العربي والدولي.

وختم الحريري بتأكيده أن المجتمع الدولي لن يتعامل مع لبنان بجدية ما دام خاضعًا لحكم المنظومة نفسها، مشيرًا إلى أن الثقة الدولية لم تعد تُمنح للوعود أو المناورات أو الخطابات المزدوجة، وأن الدعم الخارجي لن يأتي لدولة مختطفة أو سلطة عاجزة أو مشروع يفتقد السيادة والشفافية والشرعية الشعبية. واعتبر أن لبنان بحاجة إلى مشروع وطني جديد، مشروع دولة حقيقية: دولة مؤسسات وقانون، دولة حياد إيجابي فاعل، دولة قرارها بيدها وحدها، لا بيد أي محور أو وصاية أو قوة أمر واقع.

وأكد أن الصمت أو التواطؤ أو المسايرة لم يعد خيارًا، وأن اللبنانيين لن يدفعوا مرة جديدة ثمن تسويات فاشلة تُعقد فوق رؤوسهم. ومن هنا، دعا كل اللبنانيين الأحرار في الداخل والاغتراب إلى تحمّل مسؤولياتهم التاريخية، وكسر حلقة الخوف، ورفض الأمر الواقع، والعمل الجاد والمنظم تحت سقف القانون، وبناءً على أحكام الدستور واتفاق الطائف، لإنتاج قيادة وطنية جديدة، نظيفة ومستقلة وقادرة على استعادة الدولة، لا إدارتها بالنيابة عن الآخرين.

وفي الختام، توجّه إلى الشعب اللبناني بأصدق التمنيات بمناسبة الأعياد المجيدة وحلول السنة الجديدة، مؤكدًا أن هذا الشعب الذي تحمّل ما لا يُحتمل وصمد رغم الألم، يستحق أن يعيش بسلام، وأن تعود البسمة إلى بيوته التي أثقلها الظلم والانهيار. وأعرب عن أمله بأن تكون السنة الجديدة بداية مسار يعيد الكرامة والاستقرار، ويضع لبنان أخيرًا على طريق الدولة والعدالة والمستقبل الذي يليق بتضحيات شعبه.

لبنان يستحق دولة.
والتاريخ لن يرحم.


المصدر : Transparency News