أثار إقرار الحكومة مشروع قانون الفجوة المالية موجة اعتراضات سياسية وشعبية واسعة، وسط اتهامات بالتسرّع وتجاهل الملاحظات الجوهرية، وتحذيرات من تداعياته على المودعين والسيادة المالية والقطاع المصرفي، في وقت يواجه فيه لبنان أزمات سيادية ومالية متداخلة.


اعتبر منتقدو مشروع قانون الفجوة المالية الذي أقرّته الحكومة، أمس الجمعة، أن السلطة التنفيذية ارتكبت “خطيئة مميتة وغير مبرّرة” من حيث الشكل والمضمون، في توقيت بالغ الحساسية، فيما لا يزال لبنان يواجه فجوة سيادية كبرى مرتبطة بسلاح “حزب الله”.

ومن حيث الشكل، طُرحت علامات استفهام حول أسباب استعجال الحكومة تمرير المشروع، رغم الكم الكبير من الملاحظات والاعتراضات الشعبية والمخاطر التي أشار إليها خبراء ومراجع مالية، محذّرين من كوارث محتملة في حال عدم معالجة الثغرات العديدة التي يتضمنها القانون. وتساءل المعترضون عمّا إذا كانت الحكومة قد قدّمت مصالح الدولة وحقوق المواطنين قربانًا لضغوط صندوق النقد الدولي، بدل التريّث ومناقشة الملاحظات، لا سيما تلك التي طرحها حاكم مصرف لبنان كريم سعيد.

أما من حيث المضمون، فتركّزت الانتقادات على ما اعتُبر تهرّبًا للدولة من تحمّل مسؤولياتها، وصولًا إلى حرمان المودعين، كبارًا وصغارًا، من حقوقهم المالية، واستبدالها بآليات غير قابلة للتنفيذ، من شأنها تدمير القطاع المصرفي وحرمان الاقتصاد اللبناني من فرص النمو مستقبلًا.

وذهب المنتقدون إلى اعتبار أن قانونًا بهذه الخطورة، والذي يمسّ بمصير الدولة وناسها، كان يفترض أن يُدرج ضمن القوانين التي تتطلب أكثرية الثلثين، لا أن يُقرّ بالأكثرية المطلقة كما حصل.

وفي هذا السياق، اعتُبر أن التطمينات التي قدّمها رئيس مجلس الوزراء نواف سلام بعد الجلسة، زادت من حدة المخاوف، إذ أكد أن القانون يضمن ودائع 85% من المودعين، وهو ما اعتبره معارضو المشروع ادعاءً غير مستند إلى أرقام دقيقة، في ظل عجز معظم المصارف عن تسديد ودائع ما دون 100 ألف دولار، ما يهدد حقوق شريحة واسعة من صغار المودعين.

كذلك، طُعن في تأكيد سلام أن السندات التي ستُصدر لتغطية ودائع من تفوق حساباتهم 100 ألف دولار ستكون مضمونة، إذ تساءل المعترضون عن كيفية ضمانها بقيمة 50 مليار دولار في ظل تجميد الذهب بقانون، ما يعني عمليًا أن الضمانات الفعلية لا تتجاوز 6 إلى 7 مليارات دولار، مقابل التزامات قد تفوق 30 مليار دولار.

كما أُثيرت تساؤلات حول التدقيق الموعود، في ظل تأكيد أن التدقيق الأساسي يجب أن يبدأ بالدولة ومصرف لبنان، وهو ما أشار إليه حاكم مصرف لبنان نفسه.

وفي الخلاصة، رأى المعترضون أن هذا القانون لا ينسجم مع خطاب الحكومة حول استعادة السيادة الكاملة للدولة، معتبرين أن فقدان السيادة المالية يقوّض أي حديث عن سيادة سياسية أو أمنية.

وصوّت لمصلحة المشروع وزراء رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، ووزير الحزب التقدمي الاشتراكي، ووزير “أمل” ياسين جابر، فيما وافق وزير الإعلام بول مرقص مع تحفّظه.

في المقابل، صوّت ضد المشروع وزراء “القوات اللبنانية”، إضافة إلى الوزراء شارل الحاج، ركان ناصرالدين وأحمد حيدر (“حزب الله”)، تمارا الزين (“أمل”)، نورا بايرقداريان، وعادل نصار (“الكتائب”).

وأكد وزراء “القوات اللبنانية” أن مقاربتهم البديلة ترتكز على تحديد مسؤوليات الدولة ومصرف لبنان تجاه المصارف، ومسؤوليات المصارف تجاه المودعين، واعتماد آلية واضحة للمحاسبة، والتعامل مع الودائع كملكية خاصة محمية دستوريًا، وإعطاء الأولوية للحالات الاجتماعية والاقتصادية الأكثر تضررًا، مشيرين إلى أن ملاحظاتهم التفصيلية لم تؤخذ بالاعتبار.

أما وزير الاتصالات شارل الحاج، فبرّر رفضه المشروع بعدم وجود تدقيق أو أرقام دقيقة يمكن الركون إليها لتحديد الفجوة المالية أو القدرة الفعلية على تأمين التغطية المطلوبة.


المصدر : نداء الوطن