عام 2025: القيادة الفلسطينية تفرض واقعًا جديدًا في لبنان
30-12-2025 10:14 AM GMT+02:00
يطوي لبنان بعد أيام قليلة صفحة عام 2025، عام المواجهة المفتوحة مع الملفات المؤجّلة، حيث لم يعد ممكنًا التعايش مع الوقائع المفروضة خارج منطق الدولة. بين حصرية السلاح، والإصلاح الاقتصادي، واستعادة القرار السيادي، برز ملف السلاح الفلسطيني داخل المخيمات كأحد أكثر العناوين حساسية وخطورة، بعدما كُسر أحد أكبر المحرّمات السياسية والأمنية في البلاد.
ففي عام 2025، خرج هذا الملف من سياسة التجميد والمقاربة الرمادية إلى مسار سياسي–أمني فرض نفسه على الدولة اللبنانية والقيادة الفلسطينية على حدّ سواء، بعدما أثبتت عقود من المساكنة القسرية أن السلاح المتفلّت داخل المخيمات لم يعد تفصيلًا أمنيًا، بل ثغرة سيادية دائمة تُستخدم عند كل اشتباك إقليمي أو داخلي. هذا التحوّل لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة قرار سياسي فلسطيني واضح بالانتقال من إدارة الأزمة إلى محاولة حسمها، تحت إشراف مباشر من مبعوث الرئيس الفلسطيني إلى لبنان، ياسر محمود عباس، نجل الرئيس محمود عباس، في لحظة إقليمية ضاغطة لم تعد تحتمل المناورة أو تأجيل الاستحقاقات .

خطوات القيادة الفلسطينية وإعادة ضبط العلاقة اللبنانية–الفلسطينية
في هذا الإطار، تلقّفت القيادة الفلسطينية التحوّلات الإقليمية والدولية المتسارعة، وقرأت لحظة الضغط بدقّة، فأقدم الرئيس الفلسطيني محمود عباس على إصدار سلسلة قرارات وإجراءات أعادت رسم مقاربة إدارة الملف الفلسطيني في لبنان، في انتقال واضح من منطق الشخصنة والتكيّف إلى منطق الدولة والمؤسسات.
وفي مقدّم هذه الخطوات، جاء تعيين الدكتور محمد الأسعد سفيرًا جديدًا لفلسطين لدى لبنان، حيث تسلّم مهامه رسميًا في صيف عام 2025 خلفًا للسفير السابق أشرف دبور، في رسالة سياسية مباشرة تعكس توجّهًا نحو إعادة ضبط العلاقة الفلسطينية–اللبنانية على أسس أكثر انتظامًا ووضوحًا.

السفير الأسعد: الدبلوماسية والمبادرات الميدانية
يُعرف السفير الدكتور محمد الأسعد بدبلوماسيته المخضرمة وجهوده المستمرة في تعزيز العلاقات الفلسطينية–اللبنانية، والانفتاح على كافة المكونات اللبنانية، مع تركيز خاص على دعم حقوق اللاجئين الفلسطينيين وتعزيز التقارب بين المسلمين والمسيحيين في لبنان. وقد تجسدت هذه الجهود من خلال سلسلة مبادرات وزيارات ميدانية أظهرت حرص القيادة الفلسطينية على تعزيز الحضور الفلسطيني الإيجابي في لبنان، بعيدًا عن أي استقطاب أو انقسام أو محاولات استغلال المخيمات سياسيًا.
ومن أبرز هذه المبادرات، قيام السفير الأسعد بإضاءة شجرة الميلاد في مخيم ضبية نيابة عن الرئيس محمود عباس، بالتعاون مع رعية القديس مار جاورجيوس، واللجنة الأهلية في المخيم، واللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس، ودائرة شؤون اللاجئين، في أجواء احتفالية مميزة بمناسبة الأعياد المجيدة، ما رسّخ صورة فلسطين كجزء من النسيج الاجتماعي اللبناني، وأظهر حرص السفير على التواصل المباشر مع المجتمع الفلسطيني و اللبناني بكل مكوناته.
كما شملت نشاطاته الأخيرة زيارة بلدة العيشية في جنوب لبنان لتقديم التهاني بمناسبة الأعياد للمجلس البلدي وكاهن الرعية وأهالي البلدة، قبل أن ينتقل لوضع إكليل من الزهور على ضريح العلامة الراحل السيد هاني فحص، في رسالة واضحة لاحترام الرموز الوطنية والدينية وتعزيز الروابط مع المجتمع اللبناني.
هذه المبادرات تؤكد الدور القيادي للسفير الأسعد كواجهة دبلوماسية فلسطينية فاعلة، تعمل على إعادة صياغة صورة فلسطين في لبنان، بعيدًا عن أي أيديولوجيات ضيقة، وبأسلوب يعكس مهنية عالية وحرصًا على تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية والاندماج الإيجابي مع المجتمع اللبناني .

إعادة ترتيب البيت الفلسطيني: فتح والسلطة
بالتوازي، شهد إقليم لبنان انتخاب قيادة جديدة لحركة فتح، في خطوة تعكس إصرار الرئيس عباس على ترسيخ مبدأ المؤسسات الفلسطينية المنظمة، وإعادة ترتيب البيت الداخلي، تمهيدًا لصياغة علاقة فلسطينية–لبنانية قائمة على منطق دولة إلى دولة، لا على شبكات النفوذ أو المحسوبيات، بما يوفر مظلّة سياسية أكثر استقرارًا للملف الفلسطيني، ويؤكّد مرجعية الشرعية الفلسطينية الرسمية.
سلاح المخيمات تحت السيطرة
بالعودة إلى ملف السلاح، للمرة الأولى منذ عقود، لم يعد سلاح المخيمات الفلسطينية مادة للجدل النظري أو للتسويات المؤجّلة، بل وُضع فعليًا على طاولة التنفيذ، وخرج من موقع "الاستثناء الدائم" إلى حيّز الإجراءات العملية، ولو بحدها الأدنى وبمقاربة جزئية وانتقائية .
هذا التحوّل لم يكن نتاج حادث أمني عابر، بل نتيجة تراكم ضغوط لبنانية داخلية، وتبدّل واضح في المناخين الإقليمي والدولي، اللذين يدفعان باتجاه تكريس مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، من دون استثناءات أو مناطق خارجة عن المعايير السيادية .
السلاح جزء من السيادة اللبنانية
في هذا السياق، جرى التعامل مع السلاح الفلسطيني بوصفه جزءًا لا يتجزأ من المعضلة السيادية اللبنانية، لا كملف فلسطيني داخلي يمكن فصله أو تدويره سياسيًا عند كل استحقاق. وهو ما شكّل كسرًا جوهريًا في المقاربة الرسمية التقليدية، وانعكس مباشرة على أسلوب إدارة العلاقة مع المخيمات، التي لم تعد خارج الحسابات الأمنية للدولة ولا فوق منطق المساءلة .
ياسر محمود عباس: قيادة عملية وفرض واقع
في قلب هذا التحوّل، برز اسم ياسر محمود عباس كلاعب محوري في إدارة الملف اللبناني–الفلسطيني. فتكليفه لم يكن إجراءً بروتوكوليًا أو تفويضًا شكليًا، بل ترجمة لقرار مركزي لدى القيادة الفلسطينية بإمساك ملف لبنان مباشرة، وسحبه من قبضة الأطر الفصائلية التقليدية التي حكمته لعقود. عمليًا، تولّى عباس مهمة التنسيق السياسي والأمني مع الدولة اللبنانية، ودفع باتجاه تثبيت مبدأ تنظيم وتسليم السلاح وفق آلية تدريجية، تبدأ بالمخيمات الأكثر حساسية، وفي مقدّمها مخيم عين الحلوة.
هذا الدور مثّل خروجًا صريحًا عن سياسة “إدارة التوازنات” التي حكمت العلاقة مع المخيمات لعقود طويلة، وفتح الباب أمام إعادة تعريف موقع السلطة الفلسطينية في لبنان، لا كمرجعية سياسية فحسب، بل كجهة تتحمّل مسؤولية مباشرة في ضبط الواقع الأمني داخل المخيمات، تحت سقف الشرعية الفلسطينية وبالتقاطع مع متطلبات السيادة اللبنانية .

اعتراض حماس لكسر الإجماع الوطني
غير أنّ هذا المسار سرعان ما اصطدم بجدار صلب من التعطيل المنظّم، قادته حركة حماس التي تصدّرت جبهة الاعتراض منذ اللحظة الأولى، رافضة أي انخراط في تفاهمات لا تخدم حساباتها الإقليمية وأجندتها العابرة للحدود.
ووفق مصادر مطلعة، تعاملت الحركة مع قرار تسليم السلاح باعتباره تهديدًا مباشرًا لنفوذها داخل المخيمات، لا مجرد إجراء أمني، معتبرة أنّه اتُّخذ بشكل أحادي وخارج الأطر الفصائلية، في محاولة لشرعنة سلطة فلسطينية واحدة على حساب واقع مخيماتي حاولت حماس تكريسه كمساحة نفوذ مستقل ومفتوح على الاشتباك .
إلا أنّ هذا الاعتراض يتجاهل عمدًا حقيقة سياسية وقانونية ثابتة، مفادها أن أي مسار وطني رسمي لا يمكن أن يُدار إلا عبر الجهة التي تمثّل الشعب الفلسطيني شرعيًا، أي رئيس دولة فلسطين محمود عباس، ضمن الإطار الجامع لمنظمة التحرير الفلسطينية. أمّا حركة حماس، وبحكم وجودها خارج هذا الإطار الشرعي المعترف به عربيًا ودوليًا، فقد اختارت مقاربة تصادمية، تعاملت من خلالها مع القرار اللبناني–الفلسطيني بوصفه استهدافًا سياسيًا لها، وسعت إلى كسره عبر أدوات الضغط الميداني، في محاولة لإعادة فرض معادلات موازية تتجاوز الشرعية الفلسطينية، وتبقي السلاح خارج أي سقف رسمي أو مساءلة.
وتضيف المصادر أن حماس لا تنظر إلى السلاح باعتباره ملفًا أمنيًا قابلًا للتنظيم، بل تعتبره ركيزة نفوذ استراتيجي، وعنصر ارتباط مباشر بمحاور إقليمية تستخدم المخيمات الفلسطينية في لبنان كأوراق ضغط ورسائل متبادلة. ومن هذا المنطلق، رأت الحركة في المسار القائم محاولة لتفكيك تدريجي لبنية عسكرية–أمنية راكمتها خارج سلطة الدولة اللبنانية والشرعية الفلسطينية، من دون أي استعداد للتخلّي عنها، مهما كانت الكلفة على استقرار المخيمات أو علاقتها بالدولة المضيفة.
ولم يبقِ هذا الاعتراض في إطار المواقف السياسية، بل تُرجم عمليًا عبر امتناع حماس الكامل عن تسليم أي نوع من السلاح للدولة اللبنانية، وذهابها إلى أبعد من ذلك عبر التحريض العلني والميداني داخل المخيمات ضد مبعوث الرئيس الفلسطيني إلى لبنان، ياسر محمود عباس، وضد حركة فتح، في مسعى واضح لإفشال المسار من الداخل، وتحويله إلى تسليم انتقائي يقتصر على فصائل منظمة التحرير الفلسطينية .
في المقابل، واصل ياسر محمود عباس الدفع بالمسار قدمًا، مدركًا أن الرهان على توافق فلسطيني شامل في ظل هذا الواقع ليس سوى وصفة لتعطيل دائم. فاختار سياسة فرض الأمر الواقع التدريجي، على قاعدة أن أي اختراق تنفيذي، مهما كان محدودًا، سيكسر منطق الفيتو الذي تمارسه حماس، ويعيد رسم العلاقة بين المخيمات والدولة اللبنانية خارج معادلات السلاح والمحاور، وعلى قاعدة السيادة والمسؤولية المشتركة .
الأونروا: تحديات مزدوجة داخل المخيمات
أما وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، فقد واجهت خلال عام 2025 تحديات غير مسبوقة داخل المخيمات الفلسطينية، رغم التأكيدات الرسمية من مسؤولة الوكالة في لبنان، دورثي كلاوس، على توزيع المعونات الإغاثية لجميع اللاجئين الفلسطينيين وتحسّن ملموس في مستوى الخدمات.
إلا أن هذه الجهود الإنسانية اصطدمت بتحريض مزدوج، داخلي وخارجي، جعل عمل الوكالة أكثر تعقيدًا. ففي الداخل، شهدت بعض المخيمات حملات تضليل وتحريض ضد برامجها، مستغلة الانقسامات والفوضى التي تحكم بعض المخيمات، وفي الخارج، وُجّهت ضغوط إسرائيلية مباشرة على الأونروا، محاولة التأثير على خططها وفرض قيود على عملياتها.
كل ذلك وضع الوكالة أمام مأزق مزدوج: الاستمرار في تقديم المساعدات الحيوية للاجئين، وفي الوقت ذاته مواجهة حملات التأثير السلبي التي تهدف إلى تقويض حضورها وفاعليتها، في ظل بيئة سياسية وأمنية مشحونة ومفتوحة على كل السيناريوهات .
2025 محطة فاصلة ومسار مفتوح نحو 2026
يطوي لبنان صفحة عام 2025، بعد عامٍ استثنائي حمل معه تحولات سياسية وأمنية حاسمة. فقد أُنجزت خلاله خطوات غير مسبوقة لكسر الجمود في ملف السلاح الفلسطيني داخل المخيمات، وتثبيت قاعدة جديدة لمفهوم السيادة اللبنانية، فيما عززت القيادة الفلسطينية، بقيادة الرئيس محمود عباس ومتابعة مبعوثه ياسر محمود عباس، دور السلطة كجهة مسؤولة وفاعلة في ضبط الواقع السياسي والأمني .
كما أظهرت التدابير الدبلوماسية للسفير محمد الأسعد التزام فلسطين بإعادة بناء حضور إيجابي ومسؤول داخل لبنان، بعيدًا عن الانقسامات والفوضى، مع التركيز على الوحدة الوطنية الفلسطينية وتعزيز الروابط مع المجتمع اللبناني. ورغم الاعتراضات المفتوحة لحركة حماس، والممارسات الإقليمية المعقدة، فإن التقدم المحقق خلال العام الجاري يؤكد أن أي إدارة حقيقية للملفات الفلسطينية في لبنان لا تقوم إلا على الشرعية الوطنية والمؤسساتية، وعلى التنسيق المباشر مع الدولة اللبنانية .
مع اقتراب عام 2026، يظل الملف الفلسطيني في لبنان مفتوحًا على تحدياته المعقدة، لكنه بدأ يدخل مرحلة جديدة من الانضباط السياسي والأمني، حيث لم يعد السلاح مجرد عنصر قوة داخل المخيمات، بل أصبح جزءًا من الحسابات السيادية الوطنية، تتقاطع فيها مصالح الدولة اللبنانية مع استحقاقات الشرعية الفلسطينية، في خطوة نحو استقرار دائم وإعادة رسم علاقة متوازنة بين فلسطين ولبنان، على قاعدة الدولة والمؤسسات، بعيدًا عن المحسوبيات والفوضى التي حكمت لعقود .
هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )
المصدر : Transparency News








