من هنا، فإن الميليشيات التابعة لإيران لم تعد تملك هامش المناورة. المرحلة المقبلة تفرض خيارات حاسمة: إمّا العودة إلى الدولة، والانخراط في مجتمعاتها، وتسليم السلاح، ووقف منطق الفرض والاستكبار، وإمّا مواجهة واقع قاسٍ لن يكون فيه أي غطاء سياسي أو إقليمي. زمن السلاح المنفلت يقترب من نهايته، ومن يرفض قراءة التحولات سيدفع الثمن.


ما حدث في فنزويلا ليس تفصيلاً عابرًا في نشرات الأخبار، بل رسالة واضحة لكل نظام اختار القمع والعزلة وسيلةً للبقاء. سقوط نيكولاس مادورو لم يأتِ فجأة، بل كان نتيجة طبيعية لمسار طويل من الفشل الاقتصادي، وانهيار الدولة، وانفصال السلطة عن شعبها. المشهد نفسه يتكرّر اليوم في إيران، حيث يقف نظام علي خامنئي أمام أزمات داخلية خانقة، واحتجاجات مستمرة، وعزلة دولية تتسع يومًا بعد يوم.

النظام الإيراني بات عاجزًا عن إنقاذ نفسه، فكيف له أن يستمر في حماية أذرعه في المنطقة؟ اقتصاد ينهار، عملة تفقد قيمتها، شارع يغلي، ونظام لم يعد يملك سوى الخطاب والشعارات. التجارب أثبتت أن الأنظمة حين تصل إلى هذه المرحلة، تسقط دفعة واحدة، وحلفاؤها يتخلّون عنها بلا تردد عندما تتحول إلى عبء.

في لبنان، تقع المسؤولية اليوم بشكل خاص على الشيعة. الاستمرار في ربط مصيرهم بمصير حزب مسلح هو رهان خطير وخاسر. لا يمكن لطائفة عريقة، بتاريخها وحضورها ودورها الوطني، أن تقبل بأن تُؤخذ رهينة مشروع خارجي يتداعى. القارب الذي يصرّ حزب الله على الإبحار به مثقوب، والغرق بات وشيكًا، ولا عاقل يقبل أن يغرق معه.

ترويض حزب الله لم يعد مطلبًا سياسيًا نظريًا، بل ضرورة وجودية للشيعة أولًا، وللبنان ككل. الخيار بات واضحًا: دولة واحدة، سلاح واحد، وقرار وطني واحد. أما الاستمرار في الإنكار والمكابرة، فلن يؤدي إلا إلى النهاية نفسها التي وصل إليها مادورو، ومعه كل من اعتقد أن السلاح والقمع قادران على كسر حركة التاريخ.


المصدر : Transparency News