من الابتكار إلى الانتهاك: الوجه المظلم للذكاء الاصطناعي
06-01-2026 02:17 PM GMT+02:00
أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي أداة مزدوجة التأثير، قادرة على خدمة البشرية أو تهديدها، ويأتي في مقدمة التطبيقات المثيرة للجدل ما يُعرف بتقنيات «التعري الافتراضي»، التي تتيح تعديل الصور الرقمية لإظهار الأشخاص دون ملابس أو بملابس أقل، من دون علمهم أو موافقتهم، ما يشكل انتهاكاً مباشراً للخصوصية الفردية والقيم الاجتماعية.
وتعتمد هذه التقنيات على خوارزميات الذكاء الاصطناعي القادرة على تحليل الصور وإعادة تركيبها بصرياً لتبدو وكأن الأشخاص في الصور قد أُزيلت ملابسهم. ويُعد تطبيق «DeepNude» من أبرز الأمثلة، إذ أُطلق عام 2019 قبل أن يتم إغلاقه سريعاً بعد موجة انتقادات واسعة، إلا أن نسخاً غير شرعية منه وبدائل مشابهة استمرت في الانتشار عبر الإنترنت، مستخدمة تقنيات تعلم الآلة والخوارزميات التوليدية لإنتاج صور شديدة الواقعية.
وتستند آلية عمل «التعري الافتراضي» إلى تقنيات التعلم العميق والشبكات العصبية التوليدية المتناظرة (GANs)، حيث تُدرّب هذه الأنظمة على قواعد بيانات ضخمة تضم صوراً لأشخاص بملابس وأخرى لأجسام بشرية دون ملابس. وبناء على هذا التدريب، تتعلم الخوارزميات التعرف على عناصر الملابس في الصور واستبدالها بتفاصيل جسدية وهمية تحاكي شكل البشرة والتشريح البشري، ما يجعل الصور المعدلة تبدو حقيقية ويصعب تمييزها عن الصور الأصلية.
وتبرز حادثة الموسيقية البرازيلية جوليا يوكاري كنموذج صارخ لخطورة هذه التقنيات، إذ نشرت صورة شخصية لها على منصة «X» (تويتر سابقاً)، ليقوم مستخدمون بطلب تعديلها عبر برنامج الذكاء الاصطناعي المدمج في المنصة، المعروف باسم «Grok»، لإظهارها بملابس سباحة شفافة. واستجاب البرنامج لتلك الطلبات، ما أدى إلى انتشار صور معدلة بشكل غير قانوني وغير أخلاقي. وقالت يوكاري في تصريحات لوكالة «رويترز»: «شعرت بالعار والرغبة في الاختباء من العالم، مع أن هذه ليست حتى صورة حقيقية لي».
ولا تُعد هذه الحادثة حالة فردية، بل جزءاً من موجة أوسع من الاستخدامات المسيئة لهذه التقنيات، حيث تُستهدف النساء بشكل خاص، ولا سيما الشابات، عبر التحرش الرقمي والابتزاز. وفي بعض الحالات، جرى استخدام هذه الأدوات لإنتاج صور غير قانونية لأطفال، ما يشكل جريمة جسيمة.
وتحمل هذه التقنيات أبعاداً خطيرة على المجتمع، أبرزها الانتهاك الصارخ للخصوصية، والإضرار بالسمعة الشخصية والمهنية للضحايا. كما تسهم في تعزيز العنف الرقمي والكراهية ضد المرأة، وترتبط بآثار نفسية خطيرة مثل القلق والاكتئاب. إضافة إلى ذلك، تمثل بعض المواقع التي تروج لهذه الخدمات تهديداً أمنياً، نظراً لاحتوائها على برمجيات خبيثة تستهدف سرقة البيانات.
وعلى المستوى الدولي، أثارت هذه الظاهرة تحركات رسمية وتحذيرات مؤسساتية. ففي فرنسا، أبلغت الحكومة السلطات القضائية بشأن محتوى «جنسي وجنساني» متداول عبر منصة «X»، واعتبرته «غير قانوني بشكل واضح». وفي الهند، وجهت وزارة تكنولوجيا المعلومات رسالة رسمية إلى وحدة «X» المحلية، متهمة المنصة بالفشل في منع إساءة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.
وفي الولايات المتحدة، ورغم عدم صدور تعليق رسمي من لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC)، حذرت منظمات حقوقية، من بينها المركز الوطني لمكافحة الاستغلال الجنسي، من أن هذه التقنيات «تمثل كارثة قابلة للتوقع والتجنب». وقال تايلر جونستون، مدير مشروع Midas، إن التحذيرات من استخدام هذه الأدوات لانتهاك الخصوصية صدرت منذ أكثر من عام، مضيفاً: «اليوم نرى هذه المخاوف تتحقق». بدوره، أكد داني بينتر، رئيس المركز القانوني لمكافحة الاستغلال الجنسي، أن الشركات التكنولوجية لم تتخذ الإجراءات الكافية لحماية المستخدمين.
وفي ظل هذه التحديات، تتزايد الدعوات إلى سن قوانين رادعة تحظر تطوير واستخدام تقنيات «التعري الافتراضي» دون موافقة صريحة، وتفرض عقوبات صارمة على الأفراد والشركات التي تسهل انتشارها. كما يشدد الخبراء على ضرورة إنشاء آليات فعالة لمراقبة المحتوى الرقمي وإزالة الصور المسيئة بسرعة، إلى جانب تعزيز التوعية العامة بمخاطر هذه التقنيات.
ورغم المخاطر، يشير متخصصون إلى وجود أدوات ذكاء اصطناعي بديلة تركز على الاستخدام الأخلاقي، مثل «EthicEdit» و«ConsentCanvas»، التي تعتمد مبدأ الموافقة الصريحة واحترام الخصوصية، ما يثبت إمكانية التوازن بين الابتكار التكنولوجي وحماية حقوق الإنسان.
المصدر : وكالات








