تأملات بعد فنزويلا: عن الانتقائية بوصفها منطقًا ناظمًا للنظام الدولي
06-01-2026 06:06 PM GMT+02:00
لم يعد من الممكن النظر إلى القانون الدولي بوصفه منظومة قواعد محايدة تُطبَّق على الفاعلين الدوليين بمعزل عن توازنات القوة. فالتجربة المعاصرة، ولا سيما ما جرى في فنزويلا ، تفرض إعادة تفكير جذرية في طبيعة هذا القانون، وفي الوظيفة التي يؤديها فعليًا داخل نظام عالمي غير متكافئ.
فنزويلا ليست مجرد حالة سياسية متنازع عليها، بل لحظة كاشفة. لحظة تُظهر بوضوح كيف يعمل القانون الدولي حين يُستدعى إلى مسرح القرار بعد أن يكون الفعل قد حُسِم سياسيًا، وكيف يتحول من مرجعية معيارية سابقة إلى خطاب تبريري لاحق.
بين المعيارية المعلَنة والواقع الممارس
في التنظير الكلاسيكي، يقوم القانون الدولي على مبادئ واضحة: سيادة الدول، عدم التدخل، تسوية النزاعات بالوسائل السلمية، واحترام حقوق الإنسان. هذه المبادئ تُقدَّم بوصفها قواعد عامة، قابلة للتطبيق على الجميع دون تمييز.
غير أن الممارسة تكشف فجوة متزايدة بين النص والواقع. ففي الحالة الفنزويلية، لم يكن السؤال القانوني هو ما وجّه الحدث، بل جاء بعده، ليمنحه إطارًا لغويًا يُسهِم في شرعنته. القاعدة لم تُستدعَ لمنع الفعل، بل أُعيد تفسيرها بما يسمح به.
هنا، يفقد القانون الدولي وظيفته كقيد على السلطة، ليغدو إحدى لغاتها. لغة تُستخدم لتأطير القرار، لا لمساءلته.
الانتقائية: خلل أم بنية؟
كثيرًا ما تُوصَف ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي بأنها إخفاق أخلاقي أو ضعف في الإرادة السياسية. غير أن القراءة الفكرية الأعمق تشير إلى أن الانتقائية ليست عارضًا طارئًا، بل منطقًا ناظمًا للنظام الدولي ذاته.
في عالم غير متكافئ في توزيع القوة، لا يمكن للقانون أن يُطبَّق بمعيار واحد.
الدول الأقوى تمتلك هامشًا واسعًا لإعادة تعريف القاعدة،
بينما تُطالَب الدول الأضعف بالامتثال الحرفي.
بهذا المعنى، يصبح القانون الدولي انعكاسًا لتوازنات القوة العالمية أكثر منه أداة مستقلة لتقييدها. وهو ما يفسّر لماذا تُفعَّل بعض النصوص بسرعة وحزم، فيما تبقى نصوص أخرى معلّقة لعقود دون أن تفقد شرعيتها الشكلية.
من فنزويلا إلى مشاهد أخرى
عند وضع فنزويلا في سياق أوسع، تتقاطع هذه الإشكالية مع ما يحدث في غزة، ومع التجربة الطويلة لـ لبنان في التعامل مع قرارات دولية مؤجَّلة أو غير مُنفَّذة.
في هذه الحالات، لا يغيب القانون الدولي عن الخطاب. بل على العكس، يُستحضَر بكثافة: بيانات، تقارير، قرارات، ولجان. غير أن هذا الحضور الكثيف لا يترجم إلى فعل مُلزِم. القانون موجود لغويًا، غائب عمليًا.
وهنا تتبدّى مفارقة جوهرية: القانون الدولي لا يعمل كآلية تنفيذ، بل كإطار توصيف. كخطاب أخلاقي يُستخدم لتسمية الانتهاك، دون امتلاك القدرة على وقفه.
وظيفة القانون في عالم تحكمه القوة
هذا النقد لا ينطلق من نزعة هدمية، ولا من إنكار كامل لقيمة القانون الدولي. فالقانون، رغم عجزه المتكرر عن الردع، لا يزال يؤدي وظائف لا يمكن تجاهلها.
قيمته اليوم تكمن في التوثيق، وبناء الذاكرة القانونية، وفضح التناقض بين الخطاب والممارسة.
هو لا يمنع الانتهاك بالضرورة، لكنه يمنع تحوّله إلى واقعة طبيعية أو منسيّة.
في عالم تُدار فيه السياسة بمنطق القوة، تصبح هذه الذاكرة القانونية شكلًا من أشكال المقاومة الهادئة، وربما الشرط الأول لأي مساءلة مستقبلية، مهما تأخرت.
الكتابة الفكرية عن القانون الدولي اليوم لا يمكن أن تكون محايدة بالمعنى الساذج للحياد. فالحياد في توصيف نظام غير محايد هو، في ذاته، شكل من أشكال الانحياز.
القانون الدولي ليس وهمًا خالصًا، لكنه ليس عدالة مكتملة.
هو نتاج عالم تحكمه القوة، ويحاول في الوقت نفسه تقييدها، وإن بحدود ضيقة.
بعد فنزويلا، لم يعد السؤال: هل فشل القانون الدولي؟
بل: هل نملك الشجاعة الفكرية للاعتراف بطبيعته الانتقائية، وتسميتها، ورفض الصمت باسمها؟
هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )
المصدر : Transparency News








