الرد بالوقائع.. من نهب الدولة يهاجم الخطة التي كشفت الأرقام
10-01-2026 08:02 PM GMT+02:00
الحقيقة التي يحاول البعض طمسها واضحة: مصرف لبنان هو الجهة التي قدّمت الأرقام والبيانات والوقائع، وهو الذي أعدّ الإطار الكامل لإعادة هيكلة القطاع المصرفي. هذه ليست رواية سياسية، بل مستندات تقنية ومالية موثّقة. غير أن الحكومة، بدل أن تتعامل مع الخطة كوحدة متكاملة، لجأت إلى انتقاء ما يناسبها منها، وفق حسابات شعبوية وسياسية لا علاقة لها بالإصلاح ولا بإنقاذ الاقتصاد.
الإطار الذي وضعه مصرف لبنان خفّض حجم الفجوة المالية من 83 مليار دولار إلى نحو 50 مليار دولار، عبر تنظيف المطالبات غير المنتظمة وإسقاط الأرقام الوهمية التي استُخدمت لسنوات في لعبة التخويف والتضليل. كما اعتمد تقسيمًا واضحًا للودائع بين صغيرة ومتوسطة وكبيرة، بدل الاستمرار في سياسة التعميم الكاذب التي تساوي بين مودع بالكاد يملك مدخرات عمره، وآخر راكم عشرات الملايين.
الأهم أن الخطة أعطت أولوية مطلقة لصغار المودعين. فكل من يملك حتى 100 ألف دولار يُفترض أن يستعيد كامل وديعته خلال ست سنوات: 20% فورًا، والباقي على خمس سنوات بأقساط شهرية متساوية. هذه ليست وعودًا هوائية، بل آلية محددة. أما أصحاب الودائع الأكبر، فطُرح لهم حل واقعي عبر سندات مدعومة بأصول (ABS) تمتد على آجال 10 و15 و20 عامًا، بدل خداعهم بشعارات عن “أموال ستعود غدًا”.
وفي توزيع الخسائر، جاءت الخطة صريحة إلى حد الإحراج: على الدولة اللبنانية أن تتحمّل نحو 16.5 مليار دولار، أي 33% من الكلفة، وعلى مصرف لبنان نحو 22.5 مليار دولار، أي 45%، فيما تتحمّل المصارف التجارية نحو 11 مليار دولار، أي 22%، موزّعة على سنوات. هذا هو التوزيع الممكن ماليًا، لا التوزيع الشعبوي الذي يبيع الناس أوهامًا بلا أي قدرة على التنفيذ.
ما أكده مصرف لبنان في تواصله الأخير يزيد من وضوح الصورة: المطلوب اليوم مساهمة أكبر من الدولة، وأقل من المصرف المركزي نفسه، مع الإبقاء على حصة المصارف كما هي أو تخفيضها قليلًا. أي إن الاتجاه هو تحميل الدولة مسؤوليتها المباشرة، لا تبرئة أحد ولا حماية أحد.
أما الخطاب الذي يروّج لفكرة أن ملاحقة رياض سلامة أو غيره، واسترداد “أرباح غير مشروعة”، سيملأ فجوة بعشرات المليارات، فهو تضليل فجّ. لم يدّعِ أحد يومًا أن المحاسبة القضائية، مهما كانت ضرورية أخلاقيًا وقانونيًا، قادرة وحدها على سدّ الانهيار المالي. العدالة مسار، وإعادة هيكلة النظام المالي مسار آخر، وخلط الاثنين ليس سذاجة بل هروب متعمّد من القرار السياسي.
المشكلة الحقيقية ليست في الأرقام، ولا في الخطة، بل في من يرفض الاعتراف بأن زمن الإنكار انتهى. فالهجوم على الخطة ليس دفاعًا عن المودعين، بل دفاع عن نظام يريد الإفلات من كلفة أفعاله. وطالما يُدار النقاش بهذه الذهنية، سيبقى الانهيار يتكلم… وسيبقى من صنعه يصرخ، فيما اللبنانيون وحدهم يدفعون الثمن.
المصدر : Transparency News








