من فوّض عباس إبراهيم وهولو التدخل في حفل الأب الـDJ وتحديد القيم المسيحية؟
12-01-2026 11:33 AM GMT+02:00
الرواية التي سُوِّقت إعلاميًا تحدثت عن “وفد” زار عباس إبراهيم ناقلًا اعتراضات على الحفل. في البداية، جرى التعامل مع هذا الوفد وكأنه تعبير عن “هواجس شعبية” أو “اعتراض مسيحي”. لكن عند التدقيق، تسقط هذه الرواية بالكامل. فهذا الوفد لم يكن عفويًا، ولا مستقلًا، ولا ممثلًا لأي مرجعية كنسية أو مجتمعية مسيحية. بل كان وفدًا استعراضيًا بامتياز، تابعًا لعباس إبراهيم نفسه، وهو من استجلبه وفتح له الباب ليصنع لنفسه مبرر التدخل.
وهنا جوهر المشكلة. فما علاقة هذا الوفد بقضايا المسيحيين أصلًا؟ من خوّله التحدث باسم القيم الدينية؟ بأي صفة ينصّب نفسه حَكمًا على ما يمس أو لا يمس الاعتقاد المسيحي؟ لا أسماء تحمل صفة كنسية، لا تفويضًا من بكركي، ولا من أي مؤسسة روحية معترف بها. ومع ذلك، جرى تقديمه إعلاميًا كأنه “مرجعية اعتراض”، فقط لأن وجوده يخدم سيناريو الوساطة.
الأخطر أن عباس إبراهيم نفسه دخل من هذا الباب ليؤدي دورًا أخطر: دور المقرِّر الأخلاقي. وكأن مدير أمن سابق بات مخوّلًا أن يحدّد للمسيحيين ما هو مسموح وما هو مرفوض في ممارساتهم الدينية والثقافية. من أعطى عباس إبراهيم هذا الحق؟ بأي منطق يتحوّل رجل أمن، سابق أو حالي، إلى مرجع في تفسير القيم الدينية لأي طائفة، مسيحية كانت أم غيرها؟
القيم الدينية للمسيحيين لا يحدّدها وفد استعراضي، ولا محامٍ يبحث عن دور، ولا مدير أمن سابق يشتاق إلى زمن النفوذ. هذه القيم شأن كنسي داخلي، تُناقَش ضمن المؤسسات الروحية المختصة، وتُحسَم بقرارات واضحة من المرجعيات المعنية، لا عبر تسويات جانبية و”شروط” تُسرّب للإعلام.
ولأن القصة لم تكن مكتملة من دون عنصر الضغط، أُضيف إلى المشهد حديث عن “تظاهرة محتملة” أو “خطر فوضى”. وهنا يُطرح السؤال الأكثر إحراجًا: هل كانت هناك فعلًا تظاهرة قائمة؟ هل وُجدت دعوة علنية؟ هل قُدِّم طلب ترخيص؟ أم أن فكرة التظاهرة اختُرعت لتوفير الغطاء المثالي لدخول عباس إبراهيم كـ“حامي الاستقرار”؟
حتى الآن، لا دليل واحد على تحرك شعبي فعلي. لا بيانات، لا دعوات، لا مسار قانونيًا. مجرد كلام عن “مخاوف”. وهذا بالضبط الأسلوب الذي اعتاد عليه لبنان: اختراع الخطر، أو تضخيمه، لتبرير التدخل، ثم الظهور بمظهر من “منع الانفجار”.
في هذا السياق، يتكامل دور محمد هولو مع دور عباس إبراهيم. الأول يجيد خلق الإشكال وادعاء تمثيل الاعتراض، والثاني يجيد تحويل هذا الإشكال إلى منصة عودة سياسية. كلاهما يستعيد زمن العراضات: زمن “الوفد”، و”الوسيط”، و”الشروط”، و”التفاهمات” التي لا تمر عبر أي مؤسسة رسمية.
المفارقة الفاضحة أن هذا الملف لا يحتاج أصلًا إلى أي وساطة. فإما أن الحفل قانوني ومستوفي الشروط، فتؤمّنه الدولة وتحمي حرية التعبير، وإما أنه مخالف، فيُمنع بقرار إداري صريح. وإما أن الكنيسة تعتبره شأنًا داخليًا فتتعامل معه، أو لا تعتبره كذلك. ما عدا ذلك هو عبث سياسي.
ما حصل لم يكن حرصًا على القيم، بل استثمارًا بالقيم. ولم يكن دفاعًا عن السلم الأهلي، بل صناعة مشهد يسمح لعباس إبراهيم بأن يقول: “ما زلت هنا”. لكنه عاد من الباب الخطأ، وعلى حساب فكرة الدولة، وعلى حساب احترام التعددية الدينية، وعلى حساب عقول الناس.
في الخلاصة، لا الوفد يمثل المسيحيين، ولا عباس إبراهيم يحدّد قيمهم، ولا محمد هولو مفوّض بصناعة الأزمات. ما جرى ليس أكثر من عرض سياسي فاشل، يعيد إلى الأذهان مرحلة ظنّ اللبنانيون أنهم تجاوزوها. لكن يبدو أن بعضهم لا يزال يعيش على مسرح العراضات… حتى ولو كانت القضية حفلة موسيقية.
المصدر : Transparency News








