سماح الحاج


في الدول التي تنهار حقًا، لا يكون الخطر في الانهيار نفسه، بل في ما يليه. في لحظة السقوط، تُقاس قدرة المجتمعات على إنقاذ نفسها بمدى استعدادها لمواجهة الحقيقة، لا بالهروب منها. لبنان، للأسف، اختار الطريق الأسهل: إنكارٌ منظّم، ومسؤوليات مُرحّلة، وسرديات تُصاغ على قياس موازين القوى لا على قياس الوقائع. ما جرى بعد 17 تشرين الأول 2019 لم يكن لحظة صحوة، بل لحظة التفاف مضاد، أُديرت فيها الكارثة بدل تفكيكها.

الانهيار لم يكن ارتجالًا ولا تراكم أخطاء عشوائية. كان مسارًا سياسيًا–ماليًا واضح المعالم: دولة استدانت بلا ضوابط، نظام حوّل الدين إلى أداة حكم، مصرف مركزي نفّذ، ومصارف شاركت واستفادت. لكن بدل فتح هذا المسار على مصراعيه، اختيرت لعبة الروايات. في لبنان، لا تبدأ المعركة على من ارتكب الجريمة، بل على من تُلقى عليه. لا على السياسات، بل على الضحايا البديلة.

منذ الأيام الأولى، انقسم المشهد لا بين حقيقة وكذب، بل بين سرديتين طائفيتين متنَكّرتين بثوب السياسة. سردية حمّلت المصارف وحدها كامل المسؤولية، وسردية أخرى—أكثر إزعاجًا—قالت إن الجريمة الأصلية اسمها الدولة. لكن أهل السلطة لم يتردّدوا: شيطنة القطاع المصرفي كانت المخرج الأرخص. فهي تُبعد الضوء عن سياسات الاستدانة منذ التسعينات، وتُخفي حقيقة فاضحة: أن المنظومة نفسها هي من غطّت وجدّدت ودافعت عن السياسات التي فجّرت الانهيار، ثم عادت لتتقمّص دور “الضحية”.

في لبنان، دائمًا هناك شماعة جاهزة: مؤامرة، عامل خارجي، ظرف استثنائي. أما القرارات التي أُقرّت في الحكومات والمجالس النيابية، فتُمحى من السجل. هكذا جرى تصوير التخلّف عن السداد وانهيار العملة كحادث طارئ، لا كنتيجة حتمية لنظام استهلك الدولة كما تُستنزف الغنائم.

الدولة التي تحترم نفسها كانت ستعترف بالخسائر، وتفرض ضوابط عادلة على الرساميل، وتعيد هيكلة الدين، وتُصلح المصرف المركزي والقطاع المصرفي ضمن خطة واحدة تُسمّي المسؤوليات وتوزّع الخسائر بعدالة. لم يحصل شيء من ذلك. اختير الإنكار، لأن المنظومة ما زالت تمسك بالبرلمان والحكومة وأجزاء من القضاء، وتتمتّع بمناعة سياسية وأمنية تمنع أي محاسبة فعلية.

المصارف لم تكن بريئة. تواطأت حين حوّلت الدولة إلى زبون مضمون، وحين راكمت أرباحًا فاحشة من فوائد وهندسات لشراء الوقت لحكومات مفلسة. لكنها لم تكن الفاعل الوحيد. ما جرى كان شبكة متكاملة: سياسي يطمئن، مصرف مركزي يسهّل، مصارف تستفيد، ودولة تُدار كحساب مفتوح.

ثم جاء الإعلام. في غالبيته، اصطفّ. جرى تبسيط الأزمة إلى “قصة مصارف”، وتغييب دور السلطة، ومسح السياسات العامة من المشهد. ومن حاول إدخال الوقائع أو تعقيد السردية، وُضع في خانة التخوين أو الشعبوية، وكأن الحقيقة عبء يجب التخلص منه.

اليوم، مع أول محاولة جدية لكسر منطق الإفلات من العقاب، سقطت الأقنعة. فجأة، صار تحميل الدولة نصيبها من الخسائر “تطرّفًا”، وصارت ملاحقة المسؤولين السابقين والمصرفيين الفاسدين “ضربًا للاقتصاد”. تحوّلت المحاسبة إلى تهمة، والإنكار إلى فضيلة.

لكن الصورة لا تكتمل من دون الاعتراف بالحلقة المفقودة: المجتمع نفسه. نعم، المنظومة مسؤولة، لكن الشعب ليس بريئًا بالكامل. في انتخابات 2022، وُضعت أمام اللبنانيين فرصة واضحة للمحاسبة والتغيير. كانت فرصة ناقصة، ومشوّهة، ومحاصَرة، لكنها كانت موجودة. ومع ذلك، اختار جزء كبير من الناخبين إعادة إنتاج السلطة نفسها: بالخوف، أو بالعصبية، أو باللامبالاة، أو بالامتناع. هكذا، شارك المجتمع—بدرجات متفاوتة—في تمديد عمر المنظومة التي سرقته.

المودعون يُستحضرون دائمًا في الخطابات، ويُغيّبون في القرارات. يُستخدمون كذريعة، لا كأولوية. وكلما اقتربت المحاسبة، استُدعي “خوف الأسواق” و”سمعة البلد” كدروع لحماية المرتكبين، لا لحماية الناس.

وفوق كل ذلك، يتمدّد نظام كامل لحراسة الكذب: إعلام مدجّن، مؤثرون للإيجار، حسابات وهمية، ونجوم شاشات يبدّلون مواقعهم مع اتجاه الريح. هؤلاء لا يسرقون المال فقط، بل يسرقون المعنى، ويغلقون أي أفق للنقاش الجدي.

وهنا الخلاصة القاسية: لبنان لا ينهار فقط لأن المال ضاع، بل لأن الحقيقة تُقايَض، والمسؤولية تُؤجَّل، والمجتمع يقبل—مرّة بعد مرّة—بإعادة إنتاج جلّاديه. ومن يقتل الحقيقة اليوم، لا يسرق الماضي فقط، بل يحجز مكان الجريمة المقبلة سلفًا.


المصدر : Transparency News