إمبراطورية آل البساتنة النفطية: نموذج عن تحالف المال والسياسة في لبنان
17-01-2026 11:56 AM GMT+02:00
نشأة آل البساتنة في قطاع النفط لم تكن مجرّد قصة صعود تجاري طبيعي، بل مسار تزامن مع مرحلة تحوّل فيها الاقتصاد اللبناني إلى اقتصاد محاصصة، حيث تُمنح الامتيازات لا وفق منطق المنافسة، بل وفق موازين النفوذ. ومع توسّع أعمالهم في الاستيراد والتخزين والتوزيع، ثم دخولهم في عقود مباشرة وغير مباشرة مع الدولة، بات واضحًا أن النفط في لبنان ليس مجرد تجارة، بل مساحة سياسية بامتياز، تُدار بعلاقات القوة أكثر مما تُدار بالقوانين.
هذا التوسّع لم يكن ليحدث لولا شبكة علاقات سياسية وفّرت الغطاء والاستقرار، وسمحت بتكريس واقع احتكاري فعلي في سوق الطاقة. فحين تتحول شركات النفط إلى شركاء دائمين للدولة، لا تخضع لرقابة صارمة، ولا تُفتح أمام منافسة حقيقية، يصبح السؤال مشروعًا: من يحكم هذا القطاع فعليًا؟ الدولة أم تحالف المصالح؟
العلاقة بين آل البساتنة وعدد من القوى السياسية ليست تفصيلًا هامشيًا، بل جزء من بنية أوسع حكمت لبنان لعقود. حين يصبح سياسيون على تماس مباشر أو غير مباشر مع شركات نفط، وحين تتحول هذه الشركات إلى رافعة مالية داخل النظام، نكون أمام تبادل مصالح واضح، حتى لو جرى ضمن الأطر الشكلية للقانون. السياسة تؤمّن الحماية، والاقتصاد يؤمّن الاستمرارية والتمويل، والنتيجة منظومة مغلقة تقاوم أي محاولة إصلاح.
في هذا النموذج، لا يحتاج الفساد إلى أن يكون فجًّا أو موثّقًا بحكم قضائي كي يكون مدمّرًا. يكفي أن تُشلّ الدولة، وأن تُفرَّغ المؤسسات من دورها، وأن يُمنع التغيير. يكفي أن يُدار قطاع الطاقة بمنطق “الاستثناء الدائم”، حيث تُعلَّق القوانين عند الحاجة، وتُؤجَّل المحاسبة، وتُقايَض المصلحة العامة بالاستقرار السياسي المزعوم.
ومع الانهيار المالي الذي ضرب لبنان، تبيّن حجم الخلل البنيوي. الدولة انهارت، الخدمات تلاشت، المواطن خسر مدخراته، فيما بقيت عائلات المصالح بمنأى عن السقوط. ليس لأن هذه العائلات أقوى من الدولة فقط، بل لأنها كانت جزءًا من النظام الذي قرر كيف تُصرف الأموال، وكيف تُدار القطاعات، وكيف تُقفل أبواب الإصلاح. المال الذي هُدر في الكهرباء والنفط لم يكن قدرًا، بل نتيجة خيارات سياسية واقتصادية متراكمة.
من هنا، يصبح الحديث عن التغيير مجتزأً وخادعًا إذا اقتصر على تبديل وجوه سياسية أو إعادة تدوير السلطة. المشكلة ليست فقط في من يجلس في الحكم، بل في التحالف العميق بين السياسي والمؤسسة الاقتصادية، بين القرار العام والمصلحة الخاصة. لا يمكن بناء دولة حديثة فيما قطاعاتها الحيوية رهينة شبكات مصالح محمية سياسيًا، ولا يمكن الحديث عن نهوض اقتصادي فيما المال العام يتحول إلى أرباح خاصة، تحت عناوين قانونية شكلية.
الأموال التي تبخّرت في قطاع الطاقة لم تكن أرقامًا تقنية، بل فرصًا ضائعة لتنمية حقيقية. كانت كفيلة ببناء بنى تحتية، وتحسين خدمات، وخلق نمو يسمح للبنان بأن يكون دولة منتجة لا دولة ريعية منهوبة. لكن ما حصل هو العكس: دولة بلا مؤسسات فعلية، واقتصاد بلا عدالة، ونظام يكرّس نفسه عبر إعادة إنتاج نفس التحالفات.
الإشارة إلى آل البساتنة هنا ليست استهدافًا شخصيًا ولا دعوة إلى التشهير، بل توصيفًا لدور اقتصادي–سياسي ضمن منظومة أوسع. هم جزء من نموذج، لا كل النموذج، لكن هذا النموذج لا يمكن أن يستمر إذا كان هناك أي حديث جدّي عن التغيير. تفكيك المنظومة لا يعني محاكمات إعلامية، بل كسر العلاقة غير الصحية بين المال والسلطة، وإعادة القطاعات الحيوية إلى منطق الدولة والمصلحة العامة.
لبنان لا يحتاج فقط إلى وجوه جديدة، بل إلى إعادة صياغة تركيبته الاقتصادية والسياسية. إلى فصل حقيقي بين من يقرّر ومن يستفيد. إلى دولة لا تكون واجهة، بل حكمًا. ومن دون ذلك، سيبقى الانهيار مستمرًا، مهما تبدّلت الخطابات، ومهما تغيّرت الأسماء.
المصدر : Transparency News








