في بلد اعتاد أن تدار فيه الملفات الحساسة بهمس يعلوه الصمت، وأن تقفل قبل أن تصل إلى نهاياتها الطبيعية، يبقى رسم المشهد القضائي بدقة تحديا حقيقيا.


 فالحديث عما يجري اليوم في النيابة العامة المالية لا يمكن وصفه بالانقلاب على النظام القائم، لكنه في الوقت نفسه ليس تفصيلا عابرا.     
قضية توقيف رئيس مالية النبطية لا تأتي من فراغ، ولا يمكن فصلها عن مناخ بدأ يتشكل خلال الأشهر الأخيرة. اللافت ان المدعي العام المالي ماهر شعيتو لم يسمح لأي اعتبارات مذهبية أو سياسية أن تؤثر على قراره وأقدم على تطبيق القانون بلا استثناء بما يعكس التزامه بالعدالة كمعيار في معالجة أي ملف حساس. 
ثمة ملفات كانت تفتح بحذر ثم تترك وكأن المطلوب تسجيل حضور لا أكثر. هل تغيرت المعادلة بالكامل؟ لا. لكن من الواضح أن شيئا ما تحرك، ببطء وبحدود ربما محسوبة لكن ما كان راكدا بدأ يتحرك.
اللافت في هذا السياق، أن تحركات المدعي العام المالي ماهر شعيتو لم تقتصر على ما يسمى تقليديا ب" الطرف الأضعف": من ملف أمين خزينة بلدية بيروت، إلى تحقيقات في الجمارك، وصولاً إلى القرار الذي قد يكون الأكثر جرأة ومن بين الأكثر حساسية حتى الآن: المطالبة بإعادة الأموال التي حوّلها بعض المصرفيين أو المسؤولين الى الخارج خلال ذروة الانهيار المالي.
 هذا القرار تحديدا كسر جداراً طويلا من الصمت والإنكار. فبفضل الاصرار على تطبيق القانون واتخاذ اجراءات قانونية صارمة بحق المصارف المخالفة، أعاد عدد  من المصرفيين أموالا كانوا قد حولوها سابقا الى الخارج بالرغم من محاولات التمنع. ما جرى لا يعيد كل ما خرج، ولا يشكل حلا شاملا لأزمة بحجم الانهيار،  لكنه كشف اعترافًا قضائيا ضمنيًا بممارسة لطالما جرى نفيها علنًا: تحويل أموال نافذين فيما كان المودع العادي عاجزاعن الوصول إلى وديعته. 


مع ذلك، من الضروري التوقف عند نقطة أساسية غالبا ما يجري تجاهلها. فالحديث عن استعادة الأموال من الخارج، أو عن مساءلة مصرفيين لا يعني اتهام القطاع المصرفي برمته ولا وضعه في موقع الاتهام الجماعي. المشكلة ليست في المصارف كمؤسسات، بل في ممارسات محددة  حصلت داخل بعضها كما يحصل  في أي قطاع اخر عندما تغيب الرقابة والمساءلة. التمييز هنا شرط أساسي لعدالة جدية لا تتحول الى شعبوية  والمقاربة القضائية السليمة تقوم على محاسبة الفعل المخالف لا على شيطنة النظام بأكمله 
 من هنا،  فان ما تقوم به النيابة العامة المالية عبر ماهر شعيتو هو ملاحقة أفعال مشبوهة ضمن حدود القانون وليس شن حرب على قطاع اقتصادي. والفرق بين الاثنين جوهري، لأن الخلط بينهما إساءة للعدالة كما الى أي محاولة اصلاح جدية.
يبقى السؤال الأهم: ماذا بعد؟  خصوصا أن المشكلة لم تكن يوما في فتح الملفات بل   بل في مصيرها. فكم من قضية هزّت الرأي العام ثم نُسيت في أدراج المحاكم؟ وكم من تحقيق بدأ قوياً ثم تبخر في دهاليز التسويات؟ 
ما نشهده اليوم  قد يكون بداية مسار محفوف بالضغوط السياسية  والتعقيدات القانونية، ولكنه في هذا التوقيت بالذات، يعيد توجيه البوصلة نحو مكانها الطبيعي و يمنح اللبنانيين شيئاً من الإيمان المفقود بأن القانون لا التوازنات هو المرجع!


المصدر : Transparency News