داني كرشي


  الجزيرة السورية، الممتدة في شمال شرق البلاد وتشمل الحسكة والقامشلي وتل تمر ورأس العين، لم تعد مجرد مساحة جغرافية نائية، بل تحولت إلى محور استراتيجي معقد، حيث تتقاطع فيه السياسة المحلية والديموغرافيا والتاريخ والتهديدات الإقليمية.

 تاريخ هذه المنطقة عميق، فهي مهد حضارات قديمة منذ آلاف السنين، من آشوريين وكلدانيين إلى الفينيقيين والعرب، ومرت بمراحل حكم عثماني وعربي قبل أن تصبح جزءًا من الدولة السورية الحديثة بعد الاستقلال، محافظة على ثرواتها الزراعية وموقعها الحيوي على خط يربط سوريا بالعراق، بين نهري دجلة والفرات، ما جعلها دائمًا بوابة استراتيجية تضمن النفوذ والسيطرة على شرق المتوسط الداخلي.


التركيبة السكانية في الجزيرة معقدة ومتعددة الطوائف، إذ يشكل الأكراد غالبية كبيرة في القامشلي وعامودا وتل تمر، بينما يتركز العرب السنة في المدن الكبرى مثل الحسكة وبعض القرى المحيطة بها، أما السريان والآشوريون والكلدان والأرمن فقد كان لهم حضور واضح ثقافيًا ودينيًا تاريخيًا، في حين يوجد أقليات تركمانية وشركسية في بعض القرى على طول الحدود الشمالية. هذه المكونات جعلت الجزيرة نموذجًا فريدًا للتنوع، لكنها في الوقت نفسه حساسة لأي تغير ديموغرافي، ومع الحرب السورية شهدت المنطقة نزوحًا واسعًا للسريان والآشوريين، ما أدى إلى تراجع حضورهم النسبي ورفع نسبة العرب والأكراد، وأعاد رسم خريطة النفوذ الاجتماعي في المدينة والريف.
مع تفاقم الأزمة السورية، تحولت الجزيرة إلى ساحة صراع بين الدولة السورية وقوات سوريا الديمقراطية المدعومة دوليًا، حيث سيطرت الإدارة الذاتية على مناطق واسعة، وفرضت نفوذها على الموارد الاقتصادية والزراعية والنفطية، بالإضافة إلى التحكم الاستراتيجي بخطوط الحركة على الحدود السورية–العراقية، ما أعطاها قوة سياسية وعسكرية ملموسة، وجعل أي توسع دائم أو اعتراف بالحكم الذاتي الكردي قضية حساسة على الصعيد الإقليمي. تركيا، على وجه الخصوص، تعتبر أي وجود كردي مسلح قرب حدودها تهديدًا مباشراً، خشية أن يمتد النفوذ الكردي من الحسكة إلى إربيل ليشكل جبهة استراتيجية تحيط بها من الشمال والشرق، وتهدد أمنها القومي، وبالتالي تدخلت عسكريًا وسياسيًا بشكل متكرر لمنع أي تثبيت دائم للإدارة الذاتية على الجزيرة بأكملها.


الحسكة اليوم، أكبر مدينة في الجزيرة، تمثل نموذجًا مركزيًا لهذا الصراع؛ فهي مدينة مختلطة ديموغرافيًا، يغلب فيها العرب والأكراد، مع أقلية مسيحية تاريخية، وتسيطر فيها الإدارة الذاتية جزئيًا، بينما تحافظ الحكومة السورية على وجود محدود من خلال بعض المؤسسات العسكرية والإدارية. القامشلي، مركز آخر للأكراد، أصبح قاعدة أساسية للإدارة الذاتية وقسد، بينما تل تمر ورأس العين تشكلان مواقع استراتيجية على الخط الحدودي مع تركيا والعراق، يتحكم فيها الأكراد جزئيًا، وتراقبها دمشق وأنقرة بعناية.
التحكم بهذه المدن لا يعكس فقط النفوذ المحلي، بل يؤثر مباشرة على خط سوريا–العراق الاستراتيجي، إذ يحدد حركة الموارد والمواصلات العسكرية والسيطرة على الحدود، ويشكل خط دفاع أو تهديد لأي طرف إقليمي. أي توسع دائم للإدارة الذاتية أو الاعتراف بحكم ذاتي كامل على الجزيرة سيضع تركيا أمام تحدٍ أمني مباشر، ويعيد رسم التوازن الإقليمي في شمال شرق سوريا، ما يجعل أي اتفاق طويل الأمد يتطلب تفاهمات دقيقة بين دمشق والأكراد وضمانات دولية لمنع مواجهة عسكرية مباشرة مع أنقرة، كما يحتاج إلى إدارة التعددية السكانية بحيث لا يُحرم أي طرف من حقوقه التاريخية، ويُحافظ على استقرار المنطقة في قلب النزاعات الإقليمية.


الجزيرة السورية اليوم، بما تحتويه من مدن استراتيجية وخطوط حدودية حيوية، ليست مجرد مساحة جغرافية، بل مفتاح صراع إقليمي يختبر قدرة دمشق والإدارة الذاتية وتركيا والقوى الدولية على إدارة تاريخ طويل، ديموغرافيا معقدة، وموقع استراتيجي يجعلها نقطة مفصلية في أمن الشرق الأوسط، على خط سوريا–العراق، حيث كل خطوة سياسية أو عسكرية تحمل تداعيات تتجاوز حدود الأرض لتطال توازن القوى الإقليمي بأكمله.

هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" ) 


المصدر : وكالات