سماح الحاج - إعلامية


لا تزال الخطوات التي أقدم عليها حاكم مصرف لبنان منذ تولّيه مهامه تُحدث ارتدادات واسعة داخل المنظومة المالية والاقتصادية، ليس بسبب طابعها الإعلامي، بل لأنها تمسّ جوهر النظام الذي حكم البلاد لعقود. ما جرى لا يمكن اختصاره بإجراءات تقنية أو تعاميم إدارية، بل هو مسار متكامل يهدف إلى معالجة واحدة من أخطر المعضلات التي واجهت لبنان: الاقتصاد النقدي الموازي، وما ترتّب عليه من تآكل في النظام المصرفي وضياع حقوق المودعين.

للمرة الأولى، تم التعامل مع الاقتصاد النقدي بوصفه منظومة كاملة لها مصادرها ومساراتها وشبكاتها، لا كظاهرة هامشية. وقد جرى إعداد مقاربة شاملة لتحديد حجم المخاطر ونقاط الاختراق وآليات المعالجة، بالتنسيق مع جهات رقابية دولية، بما أسّس لفهم واقعي لحجم التحدّي وسبل احتوائه ضمن معايير مالية معترف بها دوليًا.

في المرحلة التالية، انتقل مصرف لبنان إلى تنفيذ إجراءات تدريجية هدفت إلى تضييق الهوامش التي استفاد منها الاقتصاد غير الشرعي لسنوات. فشُدّدت الرقابة على عمليات الصرافة والتحويلات المالية، ثم توسّعت لتشمل القطاع المصرفي نفسه، عبر فرض التحقق من مصادر الأموال النقدية ووجهتها، بما أعاد الاعتبار لمبدأ الشفافية الذي يشكّل حجر الأساس لأي نظام مصرفي سليم.

بالتوازي، جرى اعتماد سياسة واضحة تقوم على الالتزام الصارم باللوائح الدولية المتعلقة بالعقوبات، ومنع أي تعامل مع جهات مصنّفة أو محظورة، من دون استثناءات أو تأويلات. كما فُرضت معايير أكثر تشددًا على شبكات الدفع والتحويل العالمية العاملة في لبنان، بما عزّز منسوب الامتثال وقلّص فرص الالتفاف على الأنظمة الرقابية.

هذه الإجراءات لم تكن معزولة، بل استُكملت بتحديث الأطر الناظمة للتحويلات الإلكترونية والمحافظ الرقمية وشركات الصرافة، بهدف تقليص الضبابية، ورفع كلفة المخالفة، والحدّ من استخدام الأدوات المالية في غير أهدافها المشروعة.

في المقابل، كشفت ردود الفعل حجم التداخل القائم بين مصالح متضرّرة ونظام مالي اعتاد العمل خارج الضوابط. فالضجيج الذي رافق هذه الخطوات لا يعكس بالضرورة مخاوف اقتصادية بقدر ما يعبّر عن رفض ضمني لفكرة الانتظام المالي واستقلالية المصرف المركزي، بعدما جرى التعامل معه سابقًا كأداة تمويل مفتوحة تُستخدم عند الحاجة.

المسار الحالي يضع للمرة الأولى إطارًا واقعيًا لإعادة بناء الثقة، ليس عبر وعود نظرية، بل من خلال حماية فعلية للنظام المصرفي، والسعي إلى استرداد الأموال، وتحميل الدولة مسؤولياتها المالية، وفتح الباب أمام إعادة تكوين الودائع ضمن قواعد مستدامة.

بهذا المعنى، لا تمثّل هذه المرحلة قطيعة مع الماضي فحسب، بل فرصة حقيقية لإرساء أسس جديدة لاقتصاد منظم، يعيد الاعتبار للمال العام ولحقوق اللبنانيين، ويضع حدًا لدورة الانهيار التي فرضها اقتصاد الفوضى لسنوات طويلة.

هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" ) 


المصدر : Transparency News