بيان الوفاء للدويلة وعمق الهوّة مع الدولة
23-01-2026 12:11 PM GMT+02:00
من يقرأ في بيان “الجناح السياسي” في الحزب، الصادر تحت مسمّى “كتلة الوفاء للمقاومة”، لا بدّ أن يلحظ، كما درجت عليه أدبيّات الحزب في الآونة الأخيرة، إصرارًا على تأكيد ما ثبت نفيه ودحضه بالواقع والوقائع، على الأرض وعلى الورق، وبالتواقيع نفسها الصادرة عن وزراء الحزب.
يستهلّ كاتب البيان زعمه بالقول إن “الخيار الوحيد المتاح أمام اللبنانيين هو الحفاظ على عوامل القوّة التي يمتلكونها، وفي طليعتها تكامل الجيش والشعب والمقاومة”، في حين أنّ هذا “الخيار” لم يكن يومًا، خلال العقود الماضية، خيارًا متاحًا للبنانيين ولا معتمدًا منهم، بل كان قرارًا مفروضًا من الخارج الإيراني، مُنتزعًا عنوة من الدولة واللبنانيين معًا، وبالحرب.
وهي حرب لم تحافظ على ما يدّعيه البيان والحزب من “قوّة”، ولا على أيّ تكامل مزعوم بين شعب دفع أثمانها، وجيش حسم أمره اليوم في بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، جنوب الليطاني وشماله، وفق ما صرّح به أركان الدولة ووزراؤها، وبما لا يتعارض مع خطاب القسم أو البيان الوزاري. وذلك على عكس ما ورد في بيان “الوفاء” للحزب، الذي نكث بالدولة واعتبرها غائبة عن القيام بواجباتها في حماية السيادة والدفاع عنها، وكأنّ الحزب الذي احتكر قرار الحرب والسلم والكرّ والفرّ لعقود، أبدع في “مهامه التحريرية” وصولًا إلى الجليل، قبل أن ينكفئ إلى أقصى طموح النقاط الخمس، وزيارات القرى المحاذية، من دون حتى التعرّض للدرونات.
أمّا في حديث البيان عن “الهوة بين الدولة والشعب”، فالمقصود بها في الواقع هو عمق الهوّة المتزايد بين منطق الدولة ومنطق الدويلة، خصوصًا بعد المواقف الواضحة والمؤيّدة لما قاله وزير الخارجية يوسف رجّي، والصادرة عن رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، لناحية القرار الحاسم بـ”عدم الرجوع عن حصرية السلاح بيد الدولة”، واستكمال مراحل نزع السلاح، وبسط سلطة الدولة بقواها الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية، و”تنظيفها” من القوى المسلحة غير الشرعية.
وفي ما يتعلّق بتطرّق البيان إلى “رهان البعض على التغييرات الخارجية”، يُطرح السؤال المشروع:
ألم يراهن الحزب طوال سنوات على قوّة المحور، وماله، وسلاحه، ورواتبه، وموازناته؟
ألم يراهن الحزب واستفاد من التغييرات التي حصلت في الخليج، ومن مؤتمر السلام في مدريد، عبر توكيل أميركي للنظام السوري على حساب المسيحيين؟
ألم يراهن الحزب، ولا يزال، على انكفاء الاهتمام الدولي لصالح الهيمنة والسيطرة الإيرانية على لبنان والمنطقة؟
ألا يراهن اليوم على التطوّرات في أوروبا وفنزويلا وكولومبيا وكوريا الشمالية وروسيا وإيران ودول “بريكس”، وعلى فشل حكم الشرع في سوريا، وغيرها من الرهانات التي تجهر بها شاشات ومواقع وإعلام ومحلّلو “الممانعة”، في رسم سيناريوهات الـwishful thinking عن سقوط “الطاغوت الأميركي – الإسرائيلي” لصالح دعاة “الصحوة الإسلامية” في العالم؟
أمّا القول إن “المقاومة كانت وستبقى من عوامل القوّة للبنان، ومعادلاتها هي التي أبقت لنا بلدًا”، فإنّ “ما تبقّى من بلد” هو نتيجة انكفاء الحزب نفسه عن ادّعاء عامل القوّة هذا، عندما وافق في 27 تشرين الثاني 2024 على اتفاق نزع سلاحه، وتفكيك هيكليته وترسانته العسكرية، جنوب الليطاني وشماله.
وأمّا الادّعاء بأن “المقاومة كانت من عوامل القوّة”، فقد دحضته الوقائع الأليمة التي ألمّت بالحزب وقيادته وكوادره وعناصره وبيئته، وقائع لم توقظ، على ما يبدو، الحزب وكُتّاب بيانه من غفلتهم، ولا من نومهم العميق في أحلامهم وأضغاثها.
هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )
المصدر : Transparency News








