"كذبة الإطفاء المتعمّد": كيف يُستثمر انقطاع الكهرباء في الجنوب اليمني سياسيًا
24-01-2026 10:52 AM GMT+02:00
بدايةً، من الضروري التذكير بحقيقة بديهية يتجاهلها مروّجو هذه الروايات: الحكومة اليمنية نفسها هي التي طلبت رسميًا خروج الشركات الإماراتية من إدارة وتشغيل عدد من المرافق، ومن بينها قطاع الكهرباء. وقد تم تنفيذ هذا الطلب وفق الأصول، ما يعني بشكل قاطع انتهاء أي مسؤولية تشغيلية أو فنية على عاتق تلك الشركات بعد تاريخ التسليم الرسمي.
ورغم ذلك، سارعت حسابات ومنصّات مرتبطة بتنظيم الإخوان المسلمون، ودوائر داخل الحكومة اليمنية، إلى اتهام الشركة الإماراتية GSU، المشغّلة سابقًا لمحطتي الطاقة الشمسية في عدن وشبوة، بالقيام بـ«إطفاء مفاجئ ومتعمد» للمحطتين. والحال أنّ هذه الشركة كانت قد سلّمت محطتي عدن بقدرة 120 ميغاواط، وشبوة بقدرة 53 ميغاواط، بكامل طاقتهما التشغيلية إلى المؤسسة العامة للكهرباء.
هنا يطرح السؤال المنطقي نفسه: إذا كانت المحطات قد سُلّمت وهي تعمل بكامل طاقتها، فمن المسؤول عن أي إطفاء أو تراجع في الأداء بعد الاستلام؟ الجواب واضح ولا يحتمل التأويل: الجهة التي تسلّمت الإدارة والتشغيل، أي المشغّل الجديد، وليس الطرف الذي أنهى مهامه رسميًا وغادر بناءً على طلب الحكومة.
ما يجري، إذًا، ليس بحثًا عن حقيقة ولا سعيًا إلى حلّ أزمة الكهرباء، بل محاولة مكشوفة لتشويه سياسي يستهدف الإمارات العربية المتحدة، عبر استغلال معاناة المواطنين وتحويلها إلى أداة تحريض. هذا الأسلوب لا يعقّد المشكلة فحسب، بل يكرّس الفشل الإداري عبر خلق «عدو خارجي» تُلقى عليه المسؤولية، بدل مواجهة الخلل الحقيقي في الإدارة والتشغيل.
الإعلام المهني، بطبيعته، معنيّ بالتحقق من الوقائع لا بتضخيم الإشاعات. والحقيقة الثابتة أنّ الإمارات لم تقطع الكهرباء عن الجنوب اليمني، بل التزمت بقرار الحكومة اليمنية، وسلّمت محطتي عدن وشبوة بحال تشغيل كاملة إلى الجهة الرسمية المختصة. وبموجب أي منطق إداري أو قانوني، فإن من يستلم المشروع رسميًا يصبح مسؤولًا عن تشغيله وصيانته واستمرارية الخدمة فيه.
من غير المقبول، أخلاقيًا ومهنيًا، إنهاء خدمات المشغّل ثم اتهامه بـ«الإطفاء المتعمد» أو «الابتزاز». والأكثر خطورة أنّ الذين يروّجون هذه الاتهامات اليوم هم أنفسهم من فشلوا، على مدى سنوات، في إدارة ملف الكهرباء في اليمن، ويبحثون الآن عن شماعة خارجية لتبرير هذا الفشل أمام الرأي العام.
في المحصّلة، يجب أن يكون المواطن اليمني أولوية مطلقة، لا ورقة في بازار الصراعات السياسية. تحويل خدمة أساسية كالكهرباء إلى معركة سياسية هو جريمة أخلاقية بحق الناس. المواطن يحتاج إلى كهرباء مستقرة، لا إلى تحريض، ولا إلى أكاذيب، ولا إلى افتعال أزمات جديدة من أجل الاستثمار السياسي.








