كتبت دانييلا صابر الخوري


على مدى سنوات طويلة، عانى لبنان من فترات جفاف قاسية أثّرت بشكل مباشر على الزراعة، والموارد المائية، وحياة المواطنين اليومية. كنا نسمع دائمًا عن خطر شحّ المياه، وعن صيفٍ قاسٍ ينتظر اللبنانيين، وعن سدودٍ يُفترض أن تكون الحلّ الاستراتيجي لأزمة المياه. لكن اليوم، وبشكلٍ ساخر ومؤلم، يجد لبنان نفسه في الجهة المقابلة تمامًا من المعاناة: الفيضانات.

أمطار غزيرة تُغرق الشوارع، تجرف الطرقات، تدخل إلى المنازل، وتدمّر المحاصيل الزراعية. مياه تهدر وتذهب إلى البحر بلا أي إدارة أو تخزين، فيما المواطن يسأل نفسه: كيف لبلد صغير مثل لبنان، غني بالينابيع والأنهار، أن يعاني من الجفاف في صيف ومن الغرق في شتاء؟

المشكلة لم تكن يومًا في الطبيعة، ولا في التغيّر المناخي وحده، بل في غياب الرؤية، وانعدام التخطيط، والإهمال المزمن من قبل السلطة الحاكمة. فقد تم إنفاق ملايين الدولارات على مشاريع سدود قيل إنها ستنقذ لبنان من العطش، ليتبيّن لاحقًا أن بعضها غير صالح تقنيًا، وبعضها الآخر لم يُستكمل أصلًا، فيما سدود أخرى لا تخزّن المياه كما وُعِد بها، بسبب سوء الدراسات أو الفساد أو كليهما.

في المقابل، البنى التحتية متهالكة، شبكات تصريف مياه الأمطار غير مؤهلة، الأنهار غير مُنظَّفة، والمجاري الطبيعية مُعتدى عليها بالبناء العشوائي. وعندما تهطل الأمطار، تتحوّل إلى كارثة بدل أن تكون نعمة. لا خطط طوارئ، لا إدارة مستدامة للمياه، ولا محاسبة حقيقية للمسؤولين عن هذا الهدر الكبير في المال العام وفي الموارد الطبيعية.

الأخطر من كل ذلك، أن لبنان اليوم يعيش هذه الفوضى في زمن يُفترض فيه أن تكون إدارة المياه من أولويات الدول، خاصة في ظل التغير المناخي وازدياد حدّة الظواهر الطبيعية. نحن في سنة ٢٠٢٦، ولا يزال اللبناني يسأل الأسئلة ذاتها: أين ذهبت الأموال؟ لماذا فشلت المشاريع؟ ومن يحاسب؟

إن استمرار هذا الواقع ليس مجرد فشل إداري، بل جريمة بحق الأجيال القادمة. فالمياه التي تُغرق البيوت اليوم، كان يمكن أن تكون مصدر حياة، واستقرار زراعي، وأمن مائي للبلد بأكمله. وما يحصل ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة مباشرة للإهمال وسوء الإدارة وغياب المحاسبة.

فهل يجوز البقاء في هذه الحالة في سنة ٢٠٢٦؟

وهل يُعقل أن يبقى لبنان بلدًا غنيًا بالمياه، وفقيرًا في إدارتها؟

لبنان لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى دولة تحترم عقل مواطنيها، وتُحسن إدارة مواردها، قبل أن تغرق البلاد أكثر… ليس بالمياه فقط، بل بالفشل.


المصدر : Transparency News