الصحافي خلدون جابر


في زمنٍ تتكاثر فيه الشاشات وتتشابه البرامج، يطلّ يلا ندبك كفعل حبٍّ صريح لهذا الوطن. ليس مجرد برنامج يُعرض مساء كل أحد، بل مساحة وطنية نابضة، تعيد للدبكة معناها الأول: الانتماء، والفرح المقاوم، والذاكرة التي لا تشيخ.

"يلا ندبك"  يذكّرنا بأن الهوية لا تُحفظ بالخطب، بل بالممارسة. بأن الوطن لا يُختصر بالحدود، بل بالإيقاع المشترك. وبأن الدبكة، تلك الرقصة التي وُلدت من الأرض، قادرة اليوم أن تجمعنا حول فكرة بسيطة وعميقة في آن: نحن هنا… وما زلنا نرقص.

في كل حلقة، يربح لبنان. يربح ذاكرته، وشبابه، وصورته التي نحب أن نراها: متماسكة، فرِحة، ومفتوحة على الغد. وهذا، بحد ذاته، فوزٌ يستحق التصفيق.
في كل مساء أحد، لا يفتح اللبنانيون شاشة التلفاز فقط، بل يفتحون نافذة على ذاكرتهم الجماعية. عبر برنامج  ليس  للترفيه فحسب، بل فعل هوية، ومشهد وطني حيّ، يُعيد رسم خريطة لبنان على خشبة مسرح… لا بالحبر، بل بالخطوات والإيقاع.

ثلاثة عشر فرقة دبكة، جاءت من كل الجهات، تحمل معها الأرض التي خرجت منها. من بعلبك، مدينة الشمس والحجارة الخالدة، حيث الدبكة تشبه أهلها: قوية، ثابتة، تضرب الأرض وكأنها تعاهدها ألا تُكسر. خطوات فرق بعلبك ليست استعراضاً، بل امتداد لتاريخ طويل من الصمود، كأن كل دقّة قدم تقول: “نحن هنا منذ آلاف السنين”.

ومن الجنوب، تصل الدبكة محمّلة بالكرامة. دبكة الجنوب ليست مجرد رقصة، بل موقف. فيها شيء من الحزن النبيل، وشيء كثير من العناد الجميل. فرق الجنوب ترقص وكأنها تحمي الذاكرة، وكأنها تقول إن الفرح أيضاً شكل من أشكال المقاومة، وإن الحياة تُنتزع انتزاعاً.
أما برجا، فتهدي البرنامج دبكة دافئة، تشبه بيوتها وأهلها. هناك، الرقص يولد من القلب قبل القدم، وتتحول الجماعة إلى عائلة واحدة على المسرح. دبكة برجا تحكي عن بساطة الريف، عن الفرح الصافي، وعن الانتماء الذي لا يحتاج إلى شعارات.

ومن العبادية، تأتي الدبكة الجبلية، مشبعة بهواء الجبال  وهدوء الصنوبر. خطوات مدروسة، صفوف متراصة، وإحساس عميق بالجماعة. في العبادية، الدبكة ليست استعراض قوة، بل انسجام، صورة عن مجتمع يعرف كيف يقف معاً، وكيف يرقص معاً.

وفي الشوف، تولد الدبكة من التاريخ. من المصالحات، ومن التعدد، ومن الجبل الذي تعلّم كيف يحمي أبناءه مهما اختلفوا. فرق الشوف ترقص وكأنها تجمع المتناقضات في إيقاع واحد، وتقول إن لبنان لا يُختصر بلون واحد، بل بجمال تنوّعه.

ومن الشمال، تحضر إهدن بدبكة تشبه طبيعتها: قوية، حادة أحياناً، ونقيّة دائماً. هناك، يتحول الرقص إلى نشيد للأرض الباردة، وللجذور العميقة. كل حركة تحمل كبرياء المكان وهدوءه، وكل قفزة كأنها تحية للسماء.

أما بيروت، فهي لقاء الكل. دبكتها مزيج من كل المناطق، نبض سريع، إيقاع معاصر، وروح لا تهدأ. بيروت ترقص كما تعيش: رغم التعب، رغم الجراح، ورغم كل شيء. دبكتها تشبهها… مدينة لا تعرف الاستسلام.

وسط هذا المشهد الوطني، لا يبدو التنافس صراعاً، بل حواراً راقصاً بين المناطق. كل فرقة تقول "نحن" ، دون أن تلغي الآخر. وهذا بالضبط ما يجعل "يلا ندبك" أكثر من برنامج: يجعله صورة لبنان التي نريدها، متقابلة، متنافسة، لكنها متماسكة.

يقف خلف هذا العمل فريقٌ يعرف أن الفن مسؤولية. فكرة وتنفيذ ناي نفاع، التي آمنت بأن الدبكة ليست ماضياً نُعلّقه على الجدران، بل حاضراً حيّاً يُخاطب الأجيال، إلى إخراج كميل طانيوس، الذي صاغ الصورة بإحساسٍ يحترم التراث ويقدّمه بلغة اليوم. وعلى شاشة MTV لبنان، يجد هذا المشروع بيته الطبيعي، حيث تُمنح الثقافة الشعبية مساحة تليق بها.

هذا البرنامج يذكّرنا بأن هذا البلد، مهما انكسر، ما زال يعرف كيف يقف صفاً واحداً… وكيف يرقص.
هو رسالة تقول إن لبنان لا يُنقَذ بالكلام فقط، بل بالثقافة، وبالفن، وبالتمسك بما يشبهنا.

وحين ترقص الفرق، يرقص الوطن معها… ولو لساعتين ونصف فقط في الأسبوع.


المصدر : Transparency News