السلاح باقٍ… لكن لمن القرار؟ لبنان من نزع السلاح إلى احتوائه
26-01-2026 01:10 PM GMT+02:00
من نزع السلاح إلى حصريته… ثم احتوائه: إعادة الصياغة اللغوية والهدف واحد
لم تكن كلمة “نزع السلاح” يومًا مجرّد مصطلح تقني في النقاش اللبناني، بل كانت، ولا تزال، قنبلة سياسية وأخلاقية. كلمة مستفزّة لجمهور المقاومة، لا لأنها تمسّ قطعة سلاح فحسب، بل لأنها تُلامس ذاكرة أربعة عقود من القتال، الخسائر، الدم، والسردية التي بُنيت حول “الحماية” و”الردع” و”منع سقوط الدولة”. لذلك، لم يكن غريبًا أن تسقط هذه الكلمة سريعًا من التداول، ليحلّ مكانها تعبير أكثر ليونة: “حصرية السلاح بيد الدولة”.
لكن هل تغيّر الجوهر فعلًا؟ أم أننا أمام إعادة صياغة لغوية لهدف واحد، بوسائل أقل صدامية؟
التحوّل من “نزع السلاح” إلى “حصرية السلاح” لم يأتِ من فراغ. هو اعتراف ضمني بأن فرض النزع بالقوة أو بالإكراه السياسي مستحيل، وأن أي مقاربة واقعية لا يمكنها تجاهل حقيقة وجود حزب الله، لا عسكريًا ولا اجتماعيًا ولا سياسيًا. لذلك، كان لا بد من إيجاد مخرج لغوي يسمح بفتح النقاش من دون تفجير الداخل.
حصرية السلاح، كما تُطرح اليوم، لا تعني تسليم السلاح أو تفكيكه، بل احتواءه.
فما المقصود بالإحتواء
أي إبقاؤه في مخازنه، تحت رقابة الدولة، وتحديدًا الجيش اللبناني، على أن يعود قرار الحرب والسلم إلى الدولة اللبنانية حصراً. هذه الصيغة، على الورق، تبدو أقل استفزازًا، وأكثر قابلية للنقاش، وربما تشكّل أرضية مشتركة بين أطراف متناقضة.
لكن السؤال الجوهري يبقى: هل نحن أمام حل فعلي، أم أمام إدارة للأزمة بانتظار انفجار آخر؟
المدافعون عن هذا الطرح يعتبرون أنه قد يكون مخرجًا واقعيًا من المأزق الحالي: يخفف الضغط الخارجي، يقطع الطريق على حرب داخلية، ويمنح إسرائيل ذريعة للتراجع عن مطلب نزع السلاح الكامل. فبالنسبة إلى إسرائيل، المشكلة ليست فقط بوجود السلاح، بل بغياب الدولة القادرة على ضبطه. وإذا ما بات السلاح “محكومًا” بقرار الدولة، فهل تسكت إسرائيل؟ أم أن هذا مجرد وهم لبناني آخر؟
في المقابل، ثمة من يرى في هذا الطرح محاولة التفافية تُبقي موازين القوى على حالها، مع تعديل في الشكل لا في المضمون. فهل يعني احتواء السلاح أنه بات خارج القرار الحزبي فعلًا؟ أم أننا أمام شراكة غير متكافئة، يكون فيها الجيش غطاءً شرعيًا لسلاح لا يملك قرار استخدامه؟
هنا تحديدًا، يكمن جوهر النزاع الحقيقي.
حصرية السلاح لا تُختصر بعبارة سياسية أو بند تفاوضي. هي مسألة سيادة، لا بمعناها الإنشائي، بل بمعناها العملي: من يقرر؟ من يتحمّل المسؤولية؟ ومن يدفع الثمن؟ فإذا بقي القرار الفعلي خارج المؤسسات، فإن إدخال الجيش إلى المعادلة لا يحوّله إلى شريك متساوٍ، بل إلى شاهد أو وسيط.
أما إذا كان المقصود فعلًا إعادة قرار الحرب والسلم إلى الدولة، فذلك يتطلب ما هو أبعد من تخزين السلاح أو وضعه تحت رقابة شكلية. يتطلب إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والحزب، بين المقاومة والنظام، وبين الداخل والخارج. وهنا، لا يمكن تجاهل حقيقة أن الحزب، حتى اليوم، لا يرى نفسه جزءًا من منظومة تقليدية تخضع لمنطق الدولة الكلاسيكي، بل مشروعًا أوسع، عابرًا للحدود، مرتبطًا بمحور إقليمي لا يخفي أولوياته.
فهل يقبل الحزب، فعلًا لا قولًا، بالتخلّي عن قرار استراتيجي بهذا الحجم؟ أم أن حصرية السلاح ليست سوى مرحلة انتقالية لإدارة الضغوط، بانتظار تبدّل موازين القوى الإقليمية؟
ومن جهة أخرى، هل تملك الدولة اللبنانية القدرة السياسية والمؤسساتية لتحمّل هذا الدور؟ أم أننا نحمّل الدولة ما لا تملك، ونطلب من الجيش ما لا يستطيع، في ظل انقسام داخلي حاد، وأزمة ثقة عميقة، وتاريخ طويل من العجز؟
اللافت في هذا النقاش أن جميع الأطراف تدّعي أنها لمصلحة لبنان. لكن الواقع يقول إن كل طرف يقرأ “المصلحة” من زاويته. فالبعض يرى في الاحتواء حماية للاستقرار ومنعًا لانفجار داخلي، فيما يرى آخرون أنه تكريس لواقع السلاح خارج الدولة، ولو بغطاء جديد. وبين هذا وذاك، يبقى اللبناني العادي هو الخاسر الأول، المعلّق بين حرب لا يريدها، وسلام لا يملك قراره.
السؤال الحقيقي ليس: هل نزع السلاح مستحيل؟
ولا حتى: هل حصرية السلاح ممكنة؟
السؤال هو: لمن هذا الحل؟ ومن يدفع كلفته؟
هل هو تمهيد لبقاء الحزب لاعبًا عسكريًا، لكن إلى جانبه الجيش اللبناني كشريك شكلي؟
أم خطوة أولى فعلية نحو دولة تستعيد قرارها، ولو تدريجيًا؟
حتى الآن، يبدو أننا نبدّل المصطلحات أكثر مما نبدّل السياسات. نخفف حدّة الكلمات، من دون أن نلمس جوهر المشكلة. وبين نزع السلاح، وحصريته، ثم احتوائه، وختاما يبقى السؤال معلّقًا: لكل فرد منتمي انتماء حقيقي لهذا الوطن
هل تغيّر المشروع… أم تغيّرت فقط طريقة تسويقه؟
المصدر : Transparency News








