إيلي إ. حرب


دخل العراق مجددًا مرحلة انسداد سياسي حاد بعد تأجيل جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، في مشهد يعكس أزمة أعمق من مجرد تعثّر إجرائي داخل البرلمان. فالتأجيل جاء نتيجة مباشرة لفشل الكتل السياسية في تأمين النصاب الدستوري المطلوب، لكنه في جوهره يعكس تفكك التوافقات التقليدية التي حكمت النظام السياسي العراقي منذ عام 2003، وتآكل القدرة على إنتاج تسويات مستقرة في ظل تحولات داخلية وضغوط خارجية متزايدة.

الخلاف الكردي على منصب رئاسة الجمهورية شكّل السبب الظاهر للتأجيل، مع استمرار التنافس بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني على اسم المرشح، غير أن هذا العامل لا يمكن فصله عن أزمة أوسع داخل البرلمان، حيث بات تعطيل عمله أداة ضغط سياسية تُستخدم في سياق مفاوضات أشمل تتعلق بتشكيل الحكومة المقبلة في ظل توازن نيابي هش يحول كل استحقاق دستوري إلى ساحة اختبار للقوى السياسية. 

تعطيل الانتخابات الرئاسية جاء على خلفية ترشيح الإطار التنسيقي لنوري المالكي رئاسة الحكومة. والمالكي، بما يحمله من إرث سياسي جدلي، لا يُعد مرشحًا توافقيًا، بل شخصية تُثير انقسامات حادة داخل البرلمان، وخصوصًا لدى القوى السنية والكردية التي ترى في عودته تهديدًا للتوازنات السياسية وإعادة إنتاج لمرحلة ارتبطت بتكريس الإقصاء وتعاظم نفوذ الفصائل الشيعية المسلحة، ما فتح الباب امام رد فعل اميركي غير مسبوق في خضم مواجهة خطيرة بين واشنطن وطهران.  

التحذير الصريح الذي أطلقه الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن وقف دعم العراق في حال عودة المالكي إلى رئاسة الحكومة، شكّل نقطة تحوّل في مسار الأزمة، وكلامه لم يُقرأ في بغداد كوجهة نظر سياسية فحسب، بل كرسالة ضغط واضحة تربط القرار السيادي العراقي بمستقبل العلاقة مع واشنطن، خصوصًا في ظل الاعتماد الاقتصادي والمالي القائم، والدور الأميركي المؤثر في بلاد الرافدين. 

ردّ فعل الاطار التنسيقي لم يتأخر، فقد اعتبر تصريحات ترامب تدخّلًا سافرًا في الشأن العراقي، وأكد تمسكه بحق القوى السياسية في اختيار مرشحيها بمعزل عن الإملاءات الخارجية. واستنفرت باقي الفصائل المسلحة المقرّبة من إيران ورفعت منسوب خطاب المواجهة، في إشارة واضحة إلى أن ملف تشكيل الحكومة بات جزءًا من صراع نفوذ إقليمي ودولي يتجاوز حدود العملية السياسية التقليدية.

هذا التصعيد المتبادل كشف بوضوح أن العراق بات ساحة مفتوحة لتقاطع الأجندات. فمن جهة تسعى واشنطن إلى منع عودة شخصيات تعتبرها قريبة من طهران، فيما ترى قوى عراقية من جهة اخرى أن الضغط  الأميركي يمس بالسيادة ويعيد رسم التوازنات الداخلية. وبين هذين المسارين، تتعطل الاستحقاقات الدستورية، وفي مقدمتها انتخاب رئيس الجمهورية الكردي، باعتباره حلقة أساسية في استكمال تشكيل السلطة التنفيذية، ناهيك عن الحسابات الكردية لمستقبل العلاقات مع الاطراف الخارجية والداخلية.

في المحصلة، لا يمكن فصل تأجيل انتخاب الرئيس عن المشهد السياسي العام الذي يجمع بين انقسام داخلي عميق، وأزمة بنيوية في نظام المحاصصة، وضغوط خارجية متصاعدة. فالعراق لا يواجه أزمة أسماء أو مناصب بقدر ما يواجه اختبارًا حقيقيًا لقدرة نظامه السياسي على إنتاج توافق وطني مستقل في ظل صراع الإرادات الإقليمية والدولية. ومع استمرار هذا التعقيد، يبقى الاستحقاق الرئاسي والحكومي معلقًا، فيما تتجه البلاد نحو مزيد من التأجيل بانتظار تسوية لم تنضج شروطها بعد.


المصدر : Transparency News