حين يُهان العسكري يُهان حماة الأرض… وتبدأ الثورة التي لا تُسرق
29-01-2026 11:07 PM GMT+02:00
تحرّك محقّ… قبل أي تزامن سياسي
قبل أي تحليل سياسي، وقبل أي ربط أو استنتاج، لا بد من تثبيت الحقيقة الأساسية: تحرّك العسكريين المتقاعدين محقّ بالكامل. هو صرخة نابعة من وجع حقيقي، من ذلّ يومي، من إفقار ممنهج، لا من حسابات سياسية ولا من تزامنات مدروسة. هؤلاء نزلوا إلى الشارع لأنهم لم يعودوا قادرين على العيش، لا لأنهم يريدون إسقاط حكومة أو الدخول في بازار سياسي.
لكن المؤسف أن هذا التحرك العادل جاء في توقيت تتراكم فيه أزمات كبرى: موازنة مأزومة، قانون فجوة مالية ملغوم، انهيار معيشي شامل، وغضب شعبي يتصاعد. تزامن لا يلغي عدالة المطلب، لكنه يضعه في قلب مشهد سياسي مفتوح على كل الاحتمالات.
دولة تطلب الواجب… وتقدّم الإهانة
الأخطر أن الدولة تطلب اليوم من العسكري الذي لا يزال في الخدمة الفعلية أن يحمي الوطن، وأن يقدّم أقصى ما لديه، فيما يشاهد زميله المتقاعد يُذلّ على أبواب المؤسسات. أي حماية تريدون وهو يرى مستقبله معروضًا بهذه الطريقة؟ وأي دولة تنتظر الولاء من مؤسسة ترى كرامتها تُسحق علنًا؟
حين يتحوّل التقاعد إلى فقر، والخدمة إلى طريق مضمون نحو الإذلال، يصبح الحديث عن الواجب مجرّد شعار. وهنا لا يعود الخلل ماليًا فقط، بل يضرب صلب العلاقة بين الدولة ومؤسساتها الأمنية.
من مطلب محقّ إلى شعار إسقاط الحكومة
في خضم هذا المشهد، بدأت ترتفع أصوات تطالب بإسقاط الحكومة. هنا يفرض السؤال نفسه: هل نحن أمام تزامن طبيعي للأزمات؟ أم أمام محاولة للهروب إلى الأمام؟
إسقاط الحكومة قد يبدو للبعض خطوة تصعيدية، لكنه في الواقع قد يكون راحة مؤقتة لكثير من اللاعبين… باستثناء البلد.
من يرتاح إذا سقطت الحكومة؟
إسقاط الحكومة في هذا التوقيت يخفّف الضغط أكثر مما يحلّ الأزمة.
يرتاح رئيس الجمهورية من الضغوط الدولية، خصوصًا تلك المتصلة بالإصلاحات والملفات السيادية، تحت ذريعة غياب حكومة فاعلة.
يرتاح حزب الله من استحقاق سحب السلاح أو استكمال النقاش حول شمال الليطاني، لأن لا حكومة تتخذ قرارًا ولا جهة تتحمّل المسؤولية.
ويرتاح الجيش مرحليًا من تنفيذ مهام سياسية شائكة في ظل غياب غطاء سياسي واضح.
ارتياح للجميع… إلّا للدولة.
من أزمة إلى فراغ… ومن فراغ إلى فوضى
لكن ماذا بعد؟
التجربة اللبنانية تقول إن الفراغ لا ينتج حلولًا، بل يؤجّل الانفجارات. إسقاط الحكومة لا يعني إصلاحًا، بل انتقالًا من أزمة مالية إلى أزمة سياسية، ومن أزمة سياسية إلى فوضى مفتوحة بلا أفق.
كل طرف يشتري وقتًا، فيما تتراكم المشاكل:
حقوق العسكريين معلّقة،
الإصلاحات مجمّدة،
الاقتصاد ينهار أكثر،
والدولة تتآكل.
حتى الانتخابات… إلى متى التأجيل؟
في هذا السياق، يفتح باب آخر: الانتخابات. في ظل حكومة ساقطة أو مستقيلة، يصبح تأجيل الانتخابات احتمالًا واقعيًا، وتُفتح الطريق أمام تمديد جديد للأزمة، وللسلطة نفسها، وللنظام نفسه الذي أوصل البلد إلى هذا الانهيار.
وهنا الخطر الأكبر: أن يتحوّل الغضب المحقّ إلى أداة لإطالة عمر الأزمة بدل كسرها.
أسئلة بلا أجوبة… وبلد على المفترق
إذا سقطت الحكومة، في أي مرحلة سندخل؟
من يدير البلد؟
من يتحمّل القرار؟
ومن يضمن ألا ننتقل من فوضى إلى فوضى أكبر؟
تحرّك العسكريين صادق، ومحِق، ونظيف. لكن استثماره في لعبة الفراغ السياسي قد يكون أخطر على البلد من بقاء حكومة عاجزة. ما نحتاجه ليس راحة مؤقتة للاعبين، بل حلًّا حقيقيًا لأزمة دولة.
الخلاصة: الوعي قبل السقوط
حين يُهان العسكري يُهان حماة الأرض.
لكن الثورة الحقيقية لا تكون بإسقاط حكومة فقط، بل بإسقاط المنظومة التي تنتج الإهانة مرارًا.
الوعي أولًا… وإلا تحوّل كل سقوط إلى مجرّد استراحة قبل الانهيار التالي.
وحين يكتمل الوعي، تبدأ الثورة التي لا تُسرق.
هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )
المصدر : Transparency News








