حين يُختصر “الملف الثقيل” بجنحة… وتُجزَّأ العدالة على قياس النفوذ
03-02-2026 04:16 PM GMT+02:00
قضية نوح زعيتر ليست قضية مخدرات عابرة يمكن اختزالها بكيس تعاطٍ، بل ملف ثقيل، متشعب، امتد على سنوات، جمع بين الاتجار بالمخدرات، السلاح، المواجهات المسلحة مع الدولة، الهروب من العدالة، والغطاء السياسي والاجتماعي غير المعلن. رغم كل هذا التاريخ، انتهى الملف بحكم رمزي: شهر واحد، وجنحة، كما لو أن الدولة تعاملت مع مخالفة سير بسيطة وليس مع رجل ارتبط اسمه بالتهديد الأمني لسنوات.
الإشكالية هنا ليست في العقوبة نفسها، بل في ما استُبعد من الحكم. المحكمة لم تُحاكم الرجل كما عرفته الدولة عبر تاريخ ملفاته، بل اختصرت الواقعة بلحظة محددة، متجاهلة سوابقه المتراكمة، مذكرات التوقيف، المواجهات المسلحة، والشبكات التي كان يقودها. القانون الجزائي لا يسمح بعزل الفعل عن السياق أو المتهم عن تاريخ الجريمة، ولكن هنا كان التكييف القانوني انتقائيًا بامتياز، يختصر الأخطر ليصبح هينًا ومغفورًا.
نوح زعيتر لم يكن مجرد اسم عابر في سجلات الدولة، بل كان مطلوبًا خطيرًا، ارتبط اسمه بمواجهات مع الجيش وملفات تهريب كبيرة، وصُنّف لسنوات كتهديد أمني مباشر. فجأة، ومع هذا التاريخ كله، تحول إلى توصيف جنحي ضيق، وكأن الدولة اختارت أن ترى ما أرادت رؤيته لا ما هو واقع. هذه ليست مجرد ثغرة قانونية، بل رسالة واضحة بأن العدالة هنا ليست عمياء، بل ترى بعينين مختلفتين بحسب النفوذ والاسم والقدرة على المقاومة. لو كان المتهم شخصًا مجهولًا، بلا نفوذ أو توازنات، هل كان الحكم سيبقى نفسه؟ الواقع يقول لا، ويشير إلى تفاوت صارخ في تطبيق القانون بين القوي والضعيف.
ما يجعل هذا الحكم أخطر ليس مدته فحسب، بل مفاعيله المؤسسية: فهو يقوّض صورة القضاء، يحبط الأجهزة الأمنية التي طاردت لسنوات، ويكرّس فكرة أن الملفات الثقيلة يمكن تفريغها في النهاية إلى أحكام رمزية، وأنه لا حساب حقيقي لمن يمتلك القوة أو النفوذ. هذا النموذج، إن تكرّس، يعني ببساطة أن لا جريمة كاملة، ولا ملف متكامل، ولا ردع حقيقي، وأن الدولة تتعامل مع الملف الكبير كأنه مجرد مسألة شكلية.
إن تحويل ملف أمن الدولة والجرائم المنظمة بهذا الحجم إلى مجرد جنحة، لا يمثل مجرد خطأ قضائي، بل غيّر تعريف العدالة نفسها. في بلد يُحاسب فيه الضعيف على النية ويغفر القوي على الفعل والتاريخ، لم يعد السؤال لماذا الحكم شهر، بل من سيكون التالي؟ وكيف ستُوزَّع العدالة حين تصبح الأدلة والملفات أدوات للانتقاء لا أدوات للحقيقة؟
هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )
المصدر : Transparency News








