يوسف يونس


في كل مرّة يحاول فيها التيار الوطني الحر استعادة موقعه في المشهد السياسي، يلجأ إلى الأسلوب ذاته: قلب الوقائع، مهاجمة الخصوم، وتقديم نفسه كضحية أو كصاحب مشروع إصلاحي أُجهض. لكن المشكلة أن الذاكرة اللبنانية، رغم كل محاولات التضليل، لا تزال تحتفظ بتفاصيل مرحلة سياسية شكّلت أحد أبرز أسباب الانهيار الذي يعيشه اللبنانيون اليوم.

التجربة السياسية التي قادها الرئيس ميشال عون لم تُذكَر يومًا بهدوء الخطاب. فمنذ بدايات حضوره السياسي، تحوّل خطابه السياسي إلى منصة للتخوين والإلغاء المعنوي لكل خصم أو معارض. ولم يكن هذا الأسلوب مجرد انفعال ظرفي، بل شكّل جزءًا من نهج كامل في إدارة الحياة السياسية، نهج يقوم على استبدال النقاش الديمقراطي بحملات تجريح منهجية طاولت إعلاميين وخصومًا وحلفاء سابقين على حد سواء.

أما في الممارسة، فقد تجسّد مشروع الإلغاء بأوضح صوره في محطات مفصلية من تاريخ لبنان الحديث. من حرب عبثية في أواخر الثمانينات دمّرت ما تبقّى من مناطق كانت تُصنّف محرّرة، إلى اتفاق سياسي عام 2006 سلّم القرار السيادي اللبناني عمليًا لسلاح خارج إطار الدولة، لتتحوّل فكرة الدولة لاحقًا إلى شعار فارغ يُستخدم في الخطابات بينما القرار الحقيقي يُصنع خارج المؤسسات.

ولم يتوقّف الأمر عند الخيارات الاستراتيجية. ففي السلطة التنفيذية، تحوّلت الوزارات التي تولاها التيار إلى نماذج فاضحة للفشل. ففي وزارة الخارجية، تراجعت علاقات لبنان الدولية إلى مستويات غير مسبوقة، فيما غرقت وزارة الاتصالات في فضائح هدر موثّقة قضائيًا. أما وزارة الطاقة والمياه، فباتت عنوانًا دائمًا لانهيار الخدمات واستنزاف المال العام، حيث دُفعت مليارات الدولارات فيما عاش اللبنانيون في العتمة، وسُحبت عمليًا من جيوب المودعين أموال ساهمت في تمويل سياسات أثبتت فشلها الذريع.

الأخطر من ذلك، أن مسار الرئيي ميشال عون والنائب جبران باسيل لم يكتفِ بإدارة سيئة للسلطة، بل ربط مصير لبنان بمحاور إقليمية مقابل مكاسب سلطوية. فبيعت السيادة على عتبات التفاهمات السياسية، وتحوّلت المصلحة الوطنية إلى امتداد لمصالح سياسية وعائلية ضيّقة، فيما دفع الشباب اللبناني الثمن من مستقبله وهجرته القسرية وانهيار فرصه الاقتصادية.

وفي المشهد السياسي الحالي، يحاول النائب جبران باسيل إعادة تقديم نفسه كطرف منفتح على الحوار والمناظرة. إلا أن الخطاب الذي يرافق هذه الدعوات يكشف التناقض الصارخ بين الادعاء والممارسة. فالمناظرات التي تُطرح كدعوات للنقاش الديمقراطي تتحوّل سريعًا إلى منصات للشتيمة المسبقة والتصعيد الشخصي، فيما تكشف تسجيلات ومواقف سابقة تردّدًا واضحًا في مواجهة الخصوم ضمن نقاش سياسي مباشر ومتوازن.

الحقيقة التي يصعب على التيار الوطني الحر مواجهتها أن الأزمة اللبنانية لم تكن وليدة ظرف اقتصادي أو مالي مفاجئ، بل نتيجة تراكم خيارات سياسية خاطئة، كان التيار أحد أبرز مهندسيها. من تعطيل قيام دولة فعلية، إلى تغطية ازدواجية السلاح، إلى إدارة كارثية للقطاعات الحيوية، تشكّل هذه المرحلة سجلًا يصعب محوه ببيان سياسي أو حملة إعلامية.

اليوم، لم يعد السجال حول رواية سياسية أو تفسير تاريخي. المسألة باتت مرتبطة بمحاسبة سياسية وأخلاقية لمسار كامل ساهم في انهيار الدولة ومؤسساتها. ومن يحاول إعادة تسويق نفسه كمنقذ، عليه أولًا أن يجيب عن سؤال بسيط يطرحه اللبنانيون: كيف يمكن لمن شارك في صناعة الانهيار أن يدّعي القدرة على إنقاذ ما تبقّى من الدولة؟

هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )


المصدر : Transparency News