سماح الحاج - إعلامية


حين تتحوّل الزعامة إلى قدر لا إلى تمثيل
في لبنان، الزعامة لم تعد موقعاً سياسياً يُناقَش أو يُحاسَب، بل تحوّلت إلى قدر اجتماعي ونفسي.
قدر يُسلَّم به، ويُدافَع عنه، ويُعاد إنتاجه، حتى حين يصبح عبئاً مباشراً على الناس أنفسهم.
هذه الزعامة لا تُمارَس بوصفها تمثيلاً مؤقّتاً، بل كحالة دائمة. ومع الوقت، تتحوّل العلاقة بين الزعيم وبيئته من علاقة اختيار سياسي إلى علاقة اعتياد: يعتاد الناس عليه كما يعتادون على الأزمة، ويعتاد هو عليهم كرصيد يُستدعى عند الحاجة، ثم يُعاد ضبطه بعد انتهاء المواسم.
هنا لا تكمن المشكلة في الزعيم وحده، بل في العلاقة التي نشأت بينه وبين بيئته، علاقة لا تقوم على القناعة بقدر ما تقوم على الخوف، ولا على الشراكة بقدر ما تقوم على الحاجة.
الزعيم لا يُفرض… بل يُصنَع
من الخطأ اختصار الأزمة بالقول إن الزعيم هو المشكلة الوحيدة.
الزعيم في لبنان لم يهبط من السماء ، بل  يُصنَع جراء  الفراغ الذي تتركه الدولة، وفي انعدام العدالة، وفي حاجة الناس إلى من يؤمّن لهم الحدّ الأدنى من الحماية، ولو كانت حماية وهمية.
حين يعجز المواطن عن حماية نفسه بالقانون، يبحث عمّن يحميه بالاسم، بالواسطة، أو بالانتماء.
هكذا تُمنَح الزعامة شرعيتها الأولى: لا من مشروع سياسي واضح، بل من غياب البديل.
لكن هذه الشرعية، ما إن تترسّخ، حتى تتحوّل إلى سلطة مغلقة.
من الزعامة إلى النظام
على سبيل المثال لا الحصر، يمكن قراءة الزعامة الجنبلاطية داخل البيئة الدرزية كنموذج واضح لهذا المسار.
على مدى عقود، لم تكن الزعامة مجرّد حضور سياسي، بل تحوّلت إلى نظام متكامل: قرار مركزي، تمثيل مضبوط، وسقف اختلاف معروف.
لم يكن الاختلاف مستحيلاً دائماً، لكنه كان مكلفاً.
والسؤال الحقيقي لم يكن: “هل تستطيع أن تعارض؟”
بل: “هل تستطيع تحمّل كلفة الاعتراض؟”.
بهذا المعنى، لم تُقفل البيئة بالقوة، بل أُغلِقت بالتوازنات، وبالخوف من الخسارة، وبفكرة أن الاستقرار أهم من المغامرة.
ومع الوقت، أصبح الزعيم المرجع شبه الوحيد، ليس لأن الجميع مقتنع، بل لأن البديل غير متاح عملياً.
وهذا النموذج، مع اختلاف الأسماء والتجارب، يتكرّر في معظم الطوائف اللبنانية.
الزعيم لا يحتاج إلى القطيع… لكنه يصنعه
هنا تنقلب العلاقة.
الزعيم الذي صُنع بفعل الخوف والحاجة، يبدأ بصناعة بيئته على قياسه. هو لا يحتاج فعلياً إلى قطيع، لكنه يصنعه، لأن القطيع أسهل في الإدارة وأقل كلفة في السياسة من مجتمع واعٍ يسأل ويحاسب.
القطيع لا يُصنَع بالقمع المباشر فقط، بل بالتعويد:
تعويد الناس على أن الصوت الفردي لا يغيّر،
وأن الاعتراض مخاطرة،
وأن السلامة في الالتزام لا في المواجهة.
في هذا النموذج، لا يُطلب من الناس أن يفكّروا، بل أن يصوّتوا.
ولا يُطلب منهم أن يشاركوا، بل أن يلتزموا.
الوعي هنا لا يُكافَأ، بل يُنظر إليه كعبء يهدّد توازن السيطرة.
حين يُغلَق الصوت… يظهر الوسيط
عندما تُدار البيئة بهذه الطريقة لفترة طويلة، لا يختفي الاعتراض، بل يتحوّل إلى وجع صامت.
قصص تُقال همساً، شكاوى تُتداوَل في الكواليس، ومعلومات تخرج من الدوائر الضيّقة نفسها: من داخل الأحزاب والمؤسسات، من أشخاص يعرفون تفاصيل اللعبة، لكنهم عاجزون عن كسرها علناً.
هؤلاء لا يصمتون لأنهم لا يملكون رأياً، بل لأن كلفة الرأي أعلى من قدرتهم الفردية على تحمّلها:
خوف على وظيفة، على موقع، على مصدر رزق، أو من التهميش والتعطيل.
في هذه اللحظة، لا يولد الاعتراض كحركة منظّمة، بل يبحث عن قناة.
هكذا يمكن فهم ظهور أصوات مثل نادين بركات، لا كحالة تمرّد، بل كنتيجة طبيعية لبنية مغلقة لم تعد قادرة على استيعاب الوجع في داخلها.
هي لم “تخرج” من عباءة الزعامة، بل خرجت من المساحة التي تركتها الزعامة نفسها: مساحة الاعتراض غير المعلن.
لماذا لا يحترم الزعيم القطيع؟
الحقيقة غير المريحة أن الزعيم لا يحترم القطيع.
هو يحترم الإنسان الواعي القادر على مواجهته بندّية، لا بالخضوع.
أما الناس التي تصمت وتخاف وتتنازل عن حقها مقابل “السترة”، فهي أن لم تحتقر علناً، لكنها تُدار وتستخدم.
المفارقة أن الزعيم نفسه يدرك هذه المعادلة.
هو يحتاج إلى أشخاص أقوياء حوله ليحمي بهم موقعه، لكنه لا يريد شعباً واعياً، لأن الوعي يهدّد السيطرة.
الانتخابات: إعادة إنتاج العلاقة أم كسرها؟
نحن مقبلون على انتخابات جديدة، لكن السؤال ليس من سيفوز، بل أي علاقة ستُعاد إنتاجها.
إذا دخلنا صناديق الاقتراع بالعصبية نفسها، والخوف نفسه، ومنطق “ما في غيره”، فلن يتغيّر شيء، حتى لو تغيّرت الأسماء.
الانتخابات ليست صندوقاً فقط، بل اختبار وعي:
هل نعرف لماذا نصوّت؟
ولمن؟
وضد أي علاقة سياسية؟
اذن بعد كل هذه السردية أردنا الوصول الى القدر الذي علينا تغييره 
لان  المشكلة  ليست في  الزعيم وحده، بل في بنية كاملة تخلّت عن فكرة التمثيل وقبلت بما اعتبرته
نحن لا نبرّئ الزعامات، ولا نحمّل الناس وحدهم المسؤولية، لكن الواضح أن الوعي لم يعد ترفاً، بل شرط الخلاص الوحيد.
وإذا لم نبدأ بتفكيك العلاقة المرضية بين الزعيم وبيئته، فإننا لا نخذل أنفسنا فقط، بل نكرّس هذا القدر نفسه لأجيال لم تولد بعد.

هذه الآراء الواردة في المقال تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر موقع ("Transparency News" )


المصدر : Transparency News