انقلاب كارتيل تبييض الأموال على قرار حاكم مصرف لبنان
05-02-2026 01:20 PM GMT+02:00
الطعن الذي تقدّم به عدد من المحامين يُسوَّق ظاهريًا على أنه دفاع عن الحريات والضمانات الدستورية، لكنه في جوهره يعكس اعتراضًا مباشرًا على قرار يضرب نموذجًا اقتصاديًا كاملًا نشأ وتضخّم بعد الانهيار المالي، قائمًا على التداول النقدي، وغياب الأثر المالي، وانعدام الرقابة. فالاعتراض لا يطال تفصيلاً تقنيًا ولا آلية إجرائية، بل يستهدف جوهر القرار نفسه: إخضاع التحويلات النقدية لحدّ أدنى من الشفافية، ووضع أثر واضح لحركة الأموال، بعد سنوات من الفوضى التي جعلت لبنان بيئة مثالية لتبييض الأموال والاقتصاد الموازي.
قرار حاكم مصرف لبنان لم يأتِ من فراغ، ولا يشكّل خروجًا عن القوانين أو اعتداءً على الحريات كما يحاول الطاعنون تصويره. هو قرار دفاعي بامتياز، هدفه حماية لبنان من مخاطر العزل المالي والعقوبات، وإعادة ربطه بالمعايير الدولية المعتمدة في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. لبنان، بحكم تركيبته الاقتصادية، ليس جزيرة معزولة. جزء أساسي من نشاطه المالي مرتبط بالمصارف الخارجية، بالمصارف المراسلة، وبالاقتصاد العالمي. وأي دولة تريد البقاء ضمن هذا النظام لا يمكنها السماح بتدفّق الأموال نقدًا بلا أثر ولا مساءلة.
في العالم كلّه، لم يعد الاقتصاد النقدي مقبولًا كنمط عمل. لا دولة حديثة تُسيّر اقتصادها، أو تدفع رواتبها، أو تموّل قطاعاتها الأساسية بالكاش. الاعتماد بات على التحويلات الرقمية والأنظمة المصرفية التي تسمح بتتبّع حركة الأموال، ليس بدافع التضييق على الناس، بل لأن الكاش هو البيئة الأكثر خصوبة لتبييض الأموال، وتمويل الإرهاب، وتجارة المخدرات، والاقتصاد الإجرامي بكل أشكاله. وحده لبنان يُراد له، تحت شعارات فضفاضة، أن يبقى استثناءً يخدم مصالح معروفة.
الطعن يحاول تصوير التعميم كأنه «عقاب جماعي» أو تحويل للمواطنين إلى موضع شبهة، وكأن التحقّق من هوية العميل في عملية تتجاوز ألف دولار إجراء استثنائي. في الواقع، هذا السقف يُعدّ متدنّيًا مقارنة بالمعايير الدولية، وهو استُهدف تحديدًا لأن شركات الصرافة والتحويل كانت خلال السنوات الماضية الحلقة الأخطر في منظومة الاقتصاد الموازي، والقناة الأسهل لتمرير الأموال بلا رقابة. فمن غير المنطقي إخضاع المصارف لموجبات امتثال صارمة، وترك قنوات التحويل النقدي تعمل بلا أي ضابط، فقط لأن البعض اعتاد استخدامها خارج النظام.
أما الادعاء بأن مصرف لبنان تعدّى على صلاحيات هيئة التحقيق الخاصة، فهو تضليل قانوني مقصود. فالتعميم لا يمنح شركات الصرافة صفة جهات تحقيق، ولا ينقل إليها صلاحيات قضائية، بل يفرض عليها واجب جمع معلومات أساسية عن العميل، كخطوة أولى بديهية في أي نظام امتثال مالي. تبقى صلاحيات التحقق والتحقيق المعمّق حصرًا بيد الجهات المختصة، كما هو معمول به في كل الأنظمة المالية المحترمة. ومن دون هذا التسلسل، يسقط أي نظام رقابي من أساسه.
ويبلغ التناقض ذروته حين يُستخدم شعار الحرية الاقتصادية للدفاع عن اقتصاد بلا قواعد. الحرية لا تعني الفوضى، ولا تعني حق تمرير الأموال بلا سؤال. الحرية الاقتصادية، كما يفهمها العالم، تقوم على الشفافية والمنافسة العادلة وحماية النظام المالي من الاختراق الإجرامي، لا على تحويل الدولة إلى ملاذ آمن للأموال المشبوهة.
حتى مسألة سرّية البيانات، التي تُطرح اليوم كفزاعة إضافية، لا تُستخدم لتحسين الإجراء أو تطويره، بل لإسقاطه بالكامل. نعم، حماية البيانات مسألة جدّية، لكن الدول لا تلغي أنظمة مكافحة تبييض الأموال بسبب مخاطر تقنية محتملة، بل تعالج هذه المخاطر ضمن الإطار الرقابي نفسه، عبر تشديد معايير الأمن والمساءلة، لا عبر العودة إلى العتمة النقدية.
السؤال الحقيقي الذي لا يريد مقدّمو الطعن الإجابة عنه هو بسيط: لماذا يغضب هذا القرار تحديدًا من اعتاد العمل بالكاش؟ ولماذا هذا الاستنفار ضد إجراء يهدف إلى إخراج لبنان من خانة الدول الهشّة ماليًا؟ الجواب واضح. لأن ضبط الاقتصاد النقدي يعني تضييق الخناق على شبكات التمويل غير الشرعي، وعلى اقتصاد موازٍ نما في ظل الانهيار، واستفاد من غياب الدولة وانكفاء المصارف.
في الخلاصة، ما يُقدَّم اليوم على أنه دفاع عن القانون والدستور، هو في جوهره محاولة انقلاب ناعمة على أي مسار إصلاحي جدّي. انقلاب كارتيل تبييض الأموال على قرار يهدّد مصالحه، ولو كان الثمن إعادة وضع لبنان على خارطة الدول المحاصَرة ماليًا. وبين دولة تحاول، متأخرة، أن تنتظم، ومنظومة تريد إبقاء الفوضى قاعدة عمل، تتحدّد طبيعة هذه المواجهة وخياراتها.
المصدر : Transparency News








